بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٧٥ - الجواب السادس دفع شبهة اجتماع الضدّين أو المثلين
لكن رغم هذا، يوجد فرق جوهريّ بين هذا الخطاب، و بين ما اقتُرح في بعض الأجوبة السابقة، من أنّ الأحكام الظاهريّة خطابات ناشئة من مصالح في نفس جعلها، أثّرت أو لم تؤثّر، فقد قلنا هناك: إنّ جعل مثل هذه الخطابات لغو؛ لأنّ الخطاب الذي يُجعل لمصلحة في نفس الجعل من دون أن يكون للمولى أيّ اهتمام، فإنّ مثل هذا لا يحكم العقل بوجوب امتثاله بقانون العبوديّة؛ لأنّ غرض المولى قد استوفي بمجرّد الجعل، و من هنا، كان لغواً، كما تقدّم تفصيله، و هذا بخلاف ما نقوله الآن، فإنّ هذه الخطابات التي تصوّرها هنا و إن لم يكن وراءها غرض حقيقيّ؛ لأنّ الغرض لم يتوسّع، و إنّما المحرّكيّة توسّعت، إلّا أنّ هذه الخطابات ناشئة من شدّة اهتمام المولى بحفظ ذاك الغرض، فهي خطابات جدّيّة، و تحريكات مولويّة، يُراد بها التوصّل إلى حفظ الغرض الواقعيّ المهمّ في نظر المولى، و لهذا تكون رافعةً لقاعدة البراءة العقليّة، لا أنّها تُراد بما هي خطابات حتى يحصل الغرض بمجرّد إنشائها، بل المراد بها حفظ ذاك الغرض المهمّ الواقعيّ الذي اشتبه مورده و شكّ في متعلّقه، و لهذا لو كان العبد جارحةً من جوارح المولى، و كان الغرض تكوينيّاً، لتحرّك المولى نحو إكرام الجميع بنفسه، وعليه: فمثل هذا الخطاب يحكم العقل بوجوب رعايته، و يكون منجّزاً، و بذلك تتوسّع دائرة المحرّكيّة؛ لأنّ المحرّكيّة التشريعيّة للغرض التشريعيّ إنّما هي بتوسّط مقدار تنجّز هذا الغرض التشريعيّ، و إذا توسّعت دائرة تنجّزه، توسّعت دائرة محرّكيّة هذا الغرض التشريعيّ.
و قد يتوهّم أنّ الغرض إذا فرضناه تكوينيّاً، فالتوسّع في محرّكيّته معناه: أنّ صاحب الغرض سوف يكرم جميع الأفراد، فيصدر عنه عشرة إكرامات، و هذه الإكرامات العشرة اختياريّة و إراديّة، و ليست قسريّة، وعليه: فقد توسّع نطاق الإرادة و الحبّ و الشوق؛ لأنّ صاحب الغرض انقدحت في نفسه عشر إرادات لعشرة إكرامات بسبب اشتباه غرضه