بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٥٠ - الجواب الثالث أنّ الحكم الشرعيّ له مراتب أربع
رتبةً من الدالّ، الذي هو الخطاب؛ إذ لا يُعقل أن يكون ما في طول الدالّ مدلولًا، و إلّا، لزم أخذ المتأخّر متقدّماً، إذن، هذا النحو من الفعليّة الطوليّة لا تصحّ، و لا يُحفظ بها المدلول الفعليّ للخطابات الفعليّة الواقعيّة، كما عرفت.
و يرِد على هذا الإشكال ما حاصله: أنّ الفعليّة المنوطة بالعلم بالخطاب ليست في طول الخطاب، و معه: لا يستحيل أن تكون مدلولًا للخطاب، و ذلك لأنّ ما قد يُتوهّم أو يُدّعى كونه في طول الخطاب هو العلم الفعليّ به الخارجيّ، باعتبار أنّ العلم بالشيء فعلًا، كأنّه من عوارض الشيء المتأخّرة عنه، بمعنى من معاني التأخّر، و هنا: الخطاب مفاده هو الفعليّ المعلّقة بما هي معلّقة و مقدّرة، إذن، فالفعليّة التي هي مفاد الخطاب فعليّة مشروطة بالعلم بالخطاب، على نحو القضيّة الشرطيّة، و العلم بالخطاب هنا، مأخوذ مقدّر الوجود، ككلّ شرطٍ في القضيّة الشرطيّة، و من الواضح: أنّ افتراض العلم بالخطاب ليس في طول الخطاب، بل الذي في طوله إنّما هو تحقّق العلم بالخطاب.
و فرق بين المطلبين، فهنا، الخطاب لا بأس أن يكون مفاده عبارة عن فعليّة منوطة بالعلم به على نحو القضيّة الشرطيّة؛ لأنّ القضيّة الشرطيّة جزاؤها الفعليّة، و شرطها هو تقدير العلم بالخطاب، لا فعليّة العلم بالخطاب، و من الواضح: أنّ تقدير العلم بالخطاب ليس في طول الخطاب، و إنّما الذي قد يكون في طوله هو فعليّة العلم به.
و الخلاصة: هي أنّ الفعليّة المدلول عليها بالخطاب، إنّما هي الفعليّة المعلّقة؛ لأنّ مدلول الخطاب إنّما هو القضيّة الحقيقيّة الشرطيّة، و التي يكون هو موضوعها في موقع الفرض و التقدير، فمدلول الخطاب لا يتضمّن إلّا فرض العلم بالخطاب، و ما يدّعى كونه متأخّراً عن الخطاب إنّما هو العلم به فعلًا و واقعاً، لا فرض العلم به.