بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٤٧١
و الأصدق، و معلوم أنّ الشهرة إذا كان المراد بها الروائيّة، فهي مساوقة لكون الرواية مستفيضة و قطعيّة، و مع فرض مشهوريّتهما معاً تكونان قطعيّتين معاً، و مع قطعيّتهما لا يناسب هذا الترجيح بالأصدق و الأوثق، فنفس الترجيح بالأصدقيّة و الأوثقيّة قرينة أنّ الشهرة المذكورة ليست بمعنى الشهرة الروائيّة، بل بمعنى الشهرة الفتوائيّة التي لا تستوجب قطعيّة الصدور، إلى غير ذلك من أمثال هذه القرائن، وعليه: فيُستدلّ بالمرفوعة على حجّيّة الشهرة الفتوائيّة.
إلّا أنّ هذا الاستدلال غير تامّ، و ذلك:
أوّلًا: لأنّ المرفوعة ساقطة سنداً، بل هي من أضعف الروايات على ما ذكر في محلّه.
و ثانياً: لأنّها ساقطة دلالة، باعتبار أنّ ظاهر قوله (عليه السّلام): «خذ بما اشتهر بين أصحابك ودع الشاذّ النادر» [١]، ظاهره جعل الحجّيّة للخبر المشتهر بين الأصحاب فتوائيّاً، لا لذات الشهرة بما هي، فالمراد بالموصول و هو (ما) في قوله «بما اشتهر بين أصحابك»، المراد به الخبر؛ لأنّ المعهود في سؤال السائل عنوان الخبرين المتعارضين، لا عنوان الفتوى، إذن، فهو يجعل الحجّيّة لخبر مشتهر بين الأصحاب، لا لذات الاشتهار.
ثمّ إنّه لو تنزّلنا و فرضنا أنّ اسم الموصول أُريد به الفتوى المشتهرة، فأيضاً لا يمكن التمسّك بالإطلاق؛ لأنّ سياق الكلام ظاهر في أنّه وارد لتعيين ما هو الحجّة في مقام التعارض، لا في مقام تأسيس حجّيّة جديدة، وعليه: فالرواية ساقطة سنداً و دلالة.
[الوجه الثالث هو أنه يستفاد من دليل حجّيّة خبر الواحد حجّيّته بملاك الطريقيّة، و إفادة الظنّ و الشهرة تفيد ظنّاً لا يقلّ عمّا يستفاد من خبر الواحد إن لم يكن أقوى]
الوجه الثالث: هو أنّ دليل حجّيّة خبر الواحد، يُستفاد منه حجّيّة
[١] () غوالي اللّآلي: ج ٤، ص ١٣٣، ح ٢٢٩.