بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٤٣٥ - الكلام في حجّيّة الإجماع
و من أجل ذلك كان يختلف سنخ العلماء المجمعين باختلاف خصوصيّاتهم العلميّة و قدراتهم الحدسيّة.
النقطة الثانية: من نقاط ضعف كاشفيّة الإجماع هي أنّ الخطأ المحتمل في باب الإخبار عن حسّ له عادة محور و مصبّ واحد، بينما في باب الإجماع قد لا يكون له مصبّ واحد.
و توضيحه: هو أنّه مثلًا: إذا فرض أنّ عشرة أشخاص قرءوا سورة من القرآن، فاحتمال خطئهم جميعاً في موضع واحد أضعف من احتمال أن يخطئوا هذا في موضع و ذاك في موضع آخر و ثالث في موضع ثالث، و كذلك لو شهد عشرة بموت زيد، فلو كانوا كلّهم مخطئين لكان خطؤهم على مصبّ واحد، فهذا أغرب من أن يخطئوا في عشر حالات متفاصلة.
حينئذٍ يُقال: إنّه في باب التواتر، الغالب هو أنّه على فرض خطأ المخبرين، فمصبّ الخطأ واحد؛ لأنّ هناك قضيّة حسّيّة واحدة، بينما في باب الإجماع قد لا يكون واحداً، فصحيح أنّ الفقهاء العشرة أفتوا بالوجوب، لكن قد يكون عند بعضٍ منهم ناشئاً من الخطأ في فهم الدليل، و عند آخر من دليل آخر، و عند ثالث من تشخيص الأصل العمليّ، و هكذا .. و كلّما دار الأمر بين أخطاء لها مصبّ واحد، و بين أخطاء لها مصبّات متعدّدة، فيكون الأوّل أبعد من الثاني عن الخطأ.
و من هنا، كلّما كان الإجماع أقرب إلى المصبّ الواحد، كان أقوى كاشفيّة، فمثلًا: إذا فرض أنّه أخطأ بكلّ جهات المسألة المجمع عليها باستثناء قضيّة واحدة، و كانوا كلّهم قد استندوا إلى تلك القضيّة، و هي ظهور الرواية مثلًا، حينئذٍ: في مثل ذلك يقترب المصبّ نحو الوحدة و يكون هذا أقوى ممّا لو اختلفوا و كان عدّة مصبّات للأخطاء، في مثل ذلك، يقوى كاشفيّة الإجماع؛ لأنّ هذا يشكّل قرينة تكون في صالح الكشف.