بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٤٣٢ - الكلام في حجّيّة الإجماع
و ثالثة يحكم العقل باستحالة الانفكاك بين شيئين ضمن ظروف يفترض فيها مقارنة تلك الظروف لملزومها اتّفاقاً و ليس دائماً و لا غالباً، كما في استلزام الرطوبة لأكثر دول الخليج، و هذا ما سمّوه بالملازمة الاتّفاقيّة، إذن، فالملازمة دائماً عقليّة.
كما أنّ الصحيح أنّه لا يوجد ملازمة حتى في التواتر ما بين الخبر المتواتر و ما بين القضيّة المخبر عنها؛ لأنّ كلّ خبر في المقام يحتمل نشوؤه من مناشئ محفوظة حتى مع كذب الخبر، و إنّما استكشاف القضيّة بالتواتر مبنيّ على حساب الاحتمال، كما برهنّا عليه في الأسس المنطقيّة للاستقراء، فإنّه إذا أخبرك شخص واحد أنّه رأى شخصاً يموت في المكان الفلانيّ، فإنّنا حينئذٍ نحتمل صدقه و كذبه بالتساوي، فيكون احتمال موته نصفاً، فلو أخبر شخص ثانٍ نفس الخبر، و كان احتمال الصدق فيه أيضاً النصف، حينئذٍ: سوف يزداد احتمال الصدق، و هكذا إذا أخبرنا شخص ثالث نفس الخبر، فيتضاءل احتمال كذب المجموع إلى أن تحصل درجة عالية جدّاً بحسب الاحتمالات لصدق هذا القضيّة، و هكذا حتى توشك أن تصبح يقيناً، و إن بقي كسر رياضيّ بالنسبة للكذب، لكنّه ضئيل جدّاً، و هو عبارة عن ضعف احتمال الكذب، و هكذا، و عبر قوانين معيّنة في حساب الاحتمالات يتحوّل هذا الكسر الضئيل إلى حجمٍ أصغر حتى يصبح يقيناً [١].
و لكن مع هذا فنحن لسنا بحاجة إلّا إلى الوجدان؛ إذ بحسب الوجدان ينطفئ الاحتمال الضئيل، إذن، فاستنتاج القضيّة من التواتر يخضع لحساب الاحتمالات.
[١] () يراجع: الأسس المنطقيّة للاستقراء، السيّد محمّد باقر الصدر (قده).