بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٤١٠ - الجهة السابعة في إثبات الظهور بالاستدلال و البرهان
المدلول المطابقيّ صحيحاً في نظر العرف، و بهذه البرهنة ثبت الانحصار بالالتزام، و بالتالي: ثبت المفهوم فيما إذا فرض وجود شرطٍ آخر معناه تأثير الجامع بينهما، الذي هو خلف الظهور المدّعى، إذن، فهذا مشروع للصناعة.
بعد أن عرفنا أنّه لا ينبغي الإشكال بأنّ العرف هو المرجع في تعيين مداليل الظهور، و بدونه لا يمكن التعيين، فقد اتّضح أنّه بحسب الحقيقة لم نعيّن المدلول بالرجوع إلى غير العرف، و إنّما نعيّنه بالرجوع إليه.
لكن إذا عيّنّا المدلول بتطبيقه على مصداقه، أو عيّنّاه باستنتاج لوازمه منه، فهذا لا يرجع إلى العرف فيه؛ إذ ليس هذا إلّا تطبيقاً للكلام القائل: بأنّ العرف حجّة في تشخيص المفاهيم، لا في تطبيق المفاهيم على مصاديقها الخارجيّة، فحينما يُقال: أكرم العالم، فتشخيص مدلول كلمة (عالم) يرجع فيه إلى العرف، لكن تطبيق هذا المفهوم لا يجب أخذه من العرف، بل هو يطبّق على مصاديقه الواقعيّة حتى لو لم يقبل العرف بهذا المصداق؛ إذ لعلّ العرف لم يسمع بعلم طبقات الأرض، و حينئذٍ: لا يرى مصداقاً لكلمة (عالم)، نعم، العرف لو فرض أنّه لا يرى مصداقيّته لذلك حتى بعد أن بُيّن له هذا المطلب، هو أنّ العارف بعلم طبقات الأرض هو عالم أيضاً، فهذا مرجعه إلى تحديد أصل المفهوم لكلمة (عالم) سعةً و ضيقاً، و هذا التحديد يكون حجّة؛ لأنّه تصرّف بلحاظ أصل المفهوم، و لهذا نرى فرقاً بين أن لا يدرك العرف ذات المصداق، و بين أن لا يدرك مصداقيّة المصداق، ففي الأوّل: تطبيق المفهوم على المصداق يكون بالتمسّك بالإطلاق، و أمّا في الثاني: فلا يمكن ذلك؛ لأنّ مرجعه إلى التصرّف بأصل المفهوم تحديداً، توسيعاً، و تضييقاً، و قد عرفت أنّ هذا عمل عرفيّ نافذ و حجّة.