بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٩٤ - الوجه الثالث في عدم حجّيّة قول اللّغويّ هو ما ذكره صاحب الكفاية
و ثانياً: بنوا على أنّ وثاقة المخبر في الحدسيّات لا تقتضي أكثر من صدقه في إخباره عن حدسه.
نعم، يبقى احتمال خطأ حدسه عن الواقع، و هو ممّا لا يمكن نفيه بأصالة عدم الخطأ؛ لأنّ موضوعها هو الحسّ الذي يقلّ فيه الخطأ، دون الحدس الذي يكثر فيه الخطأ.
و لكنّهم استثنوا من عدم الحجّيّة في الحدسيّات خصوص الموارد التي يكون الحدس فيها متوقّفاً على تفرّغ و خبرة و اجتهاد لا يمكن توفّره عادةً لكلّ أحد، كما هو الحال في الميادين من طبٍّ و هندسة وفقه و شبهه ممّا يرتبط بالحياة ارتباطاً عامّاً، فإنّ هؤلاء يتّبعون في مقام شهادتهم في القضايا الحدسيّة و الحسّيّة، فكأنّه بحكمة الانسداد العرفيّ لباب العلم فيها جعلوا قول أهل الخبرة في مثل هذه الموارد الحسّيّة و الحدسيّة حجّة على الآخرين الذين انسدّ عليهم باب العلم، نعم، قد عرفت أنّ من لم ينسدّ عليه باب العلم، كمن كان هو من أهل الخبرة، حينئذٍ: لا يكون حدس غيره حجّة عليه؛ إذ إنّ السيرة العقلائيّة الدالّة على الرجوع إلى أهل الخبرة إنّما دلّت على رجوع الجاهل إلى الخبير و ليس على رجوع الخبير إلى الخبير.
و بهذا يتّضح أنّ حجّيّة قول أهل الخبرة هي من مصاديق حجّيّة إخبار الثقة في الحسّيّات.
و بناءً على هذا، فإنّ قول اللّغويّ و شهادته، إن كان من باب الشهادة الحسّيّة، فهو مصداق لحجّيّة الأصل، و إن كان من باب الخبرويّة فهو مصداق لحجّيّة الفرع.
نعم، لو فُرِض أنّ خبرة اللّغويّ سنخ خبرة قائمة على مدارك نظريّة اجتهاديّة في معرض بحث الفقيه أيضاً، فحينئذٍ: لا يجوز للفقيه التعويل على قول اللّغويّ؛ لأنّه تقليد مع إمكان الاجتهاد للفقيه.