بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٩٣ - الوجه الثالث في عدم حجّيّة قول اللّغويّ هو ما ذكره صاحب الكفاية
و خلاصة ما يرد على صاحب الكفاية (قده) على كلا احتمالي كلامه، هو أنّه إن كان مقصوده من كلامه المتقدّم هو اشتراط حصول الوثوق في حجّيّة قول أهل الخبرة، فهذا خلاف تطبيقات كثيرة أُخرى لهذه الكبرى عنده و عند غيره، حيث إنّه لم يشترط لزوم حصول الاطمئنان من قوله كما طبّقه الآخوند (قده) نفسه بدون هذا القيد في بحث الاجتهاد و التقليد.
و إنّ كان مقصوده النقاش في انطباق تلك الكبرى في المقام، فغاية ما يمكن أن يُقال في تقريبه: أنّ أهل الخبرة معناه: أنّهم أهل الحدس و الاجتهاد، و في المقام ليس عمل اللّغويّ حدساً و اجتهاداً، بل عمله تجميع المسموعات و موارد الاستعمالات و نقلها، و معه: لا يكون عمله مشمولًا لأدلّة حجّيّة قول أهل الخبرة، و لكن يرد عليه:
أوّلًا: إنّ خبرة اللّغويّ كثيراً ما تكون على أساس الحدس و إعمال النظر، فإنّه و إن كان عمله السماع و تتبّع موارد استعمال الألفاظ، إلّا أنّه لا بدّ له أيضاً من أن يقارن بين موارد الاستعمالات، و يجتهد في تخريج المعاني التي يستعمل فيها اللّفظ، و المستفادة من مجموع تلك المسموعات.
و ثانياً: هو أنّ هذه المقالة لا محصّل لها؛ لأنّ الحدسيّة تضعيف لقيمة الحجّيّة، فلا يكون مناسباً لارتكاز العقلاء انّ ما يوجب الضعف دخيل في الحجّيّة، و ما يوجب قوّة الحجّيّة مانعاً عن الحجّيّة، مع العلم أنّ جعل الحجّيّة عند العقلاء مبنيّ على الكاشفيّة و الطريقيّة، إذن، فلا تكون الحجّيّة منوطة بما يضعّفها، و إنّما الصحيح أنّ العقلاء بحسب فطرتهم بنوا:
أوّلًا: على حجّيّة أخبار الثقات في الحسّيّات، باعتبار أنّ الخطأ فيها منفيّ بأصالة عدم الخطأ الحسّيّات، و احتمال الكذب منفيّ بالوثاقة، كما عرفت.