بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٩٢ - الوجه الثالث في عدم حجّيّة قول اللّغويّ هو ما ذكره صاحب الكفاية
وعليه: ففي المقام إن كان كلام هذا اللّغويّ حسّيّاً و شهادته حسّيّة، إذن، فهو مصداق للأصل من هذه الكبرى، و إن كانت شهادته خبرويّة حدسيّة، إذن، فهو مصداق للفرع منها.
نعم، هنا شيء سيأتي التنبيه عليه في خبرة اللّغويّ، و ذلك أنّ خبرته إذا فرض أنّها سنخ خبرة ذات مدارك في معرض البحث بالنسبة للفقيه، فلا يجوز للفقيه التعويل على قول اللّغويّ؛ لأنّه تقليد مع إمكان الاجتهاد للفقيه، فإنّه و إن لم يتيسّر له أن يعيش مع القبائل العربيّة و يسمع منها، إلّا أنّه يمكنه أن يوازن و يناظر بطريقة ما، فهذا أمر ميسور له، فإذا لم يكن قادراً على النقاش في ذلك، إذن، فلا يكون مجتهداً مطلقاً.
نعم، ما يرجع إلى باب الشهادة الحسّيّة أو الخبرات التي لا يمكن للفقيه أن يناقش و يناظر فيها إلّا عن طريق الرجوع إلى اللّغويّ، حينئذٍ: لا بأس بحجّيّة قول اللّغويّ فيها بالنسبة إليه.
و خلاصة ذلك: أنّ قول اللّغويّ حجّة بقدر ما يكون شهادة عن حسّ بتتبّع موارد الاستعمال، نعم، لا بدّ أن يكون ثقة و ينقل عن حسّ، أو بواسطة ثقة، فمؤلّفو اللّغة المتأخّرون مثلًا لم يتتبّعوا بأنفسهم كلام العرب، بل تتبّعوا من سبقهم من المؤلّفين في اللّغة، فمثلًا: شهادة شخص كصاحب (مجمع البحرين) [١] أو (النهاية) [٢] لا حجّة فيها؛ لأنّ مجرّد نقل عن لغويّين قبلهم، إذن، فلا بدّ و أن يُتعامل مع هذه الشهادة كما يُتعامل مع سائر الشهادات الحسّيّة، فإمّا أن يشهدها بالحسّ، أو ينقل بحيث ينتهي نقله إلى الحسّ مع وثاقة الواسطة، و حينئذٍ: يكون قول اللّغويّ حجّة في تعيين موارد الاستعمال.
[١] () للطريحيّ
[٢] () لابن الأثير.