بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٩١ - الوجه الثالث في عدم حجّيّة قول اللّغويّ هو ما ذكره صاحب الكفاية
لكن استثنوا من عدم القول بحجّيّة الحدسيّات موارد معيّنة، بنكتة انسداد باب العلم غالباً فيها على الناس، و هي الموارد التي يكون الحدس فيها مبنيّاً على رياضة علميّة و تفرّغ و تخصّص و تهيّؤ، كما لو كانت جهة الإخبار مربوطة بمطلب حياتيّ عامّ؛ فإنّه بمقتضى قانون العمل بين الناس تخصّص في كلّ مطلب من هذا القبيل جماعة يرجع إليهم في مقام تحصيل قضايا هذا المطلب على أساس الخبرة الحدسيّة أو الحسّيّة، و إلّا، فإنّ أمور معايش الناس لا تستقيم، بل تتوقّف حركة الحياة؛ إذ لا يسع عمر الإنسان للتفرّغ لتحصيل كلّ هذه العلوم، و لهذه النكتة فرضت في القضايا العامّة المرتبطة بالحياة ارتباطاً عامّاً، فكرة تقسيم العمل و التخصّص و الرجوع إلى المتخصّصين، فيتفرّغ جماعة للطبّ، و آخرون للفقه، و هكذا، فينتج تعبّد الآخرين بأقوال هؤلاء المتخصّصين بنكتة حكمة الانسداد، و إنّما نسمّيها حكمة باعتبار أنّه يمكن عقلًا فرض تكليف الناس جميعاً بدراسة الطبّ مثلًا، أو الفقه، أو الهندسة، لكن هذا موجب لاختلال نظام حياة الناس و أمور معاشهم، و لهذا يبدو كأنّ باب العلم منسدّ في المقام دونهم، و بحكم هذا الانسداد لباب العلم في المقام شُرّع الرجوع إلى المتخصّصين و أهل الخبرة تعبّداً، و من هنا نشأت حجّيّة قول أهل الخبرة الذين تكون خبرتهم مبنيّة على الحدس، و استثني من هذه الحجّيّة من كان باب العلم مفتوحاً لهم.
و لهذا نقول: إنّ السيرة لم تنعقد على الرجوع لأهل الخبرة لمن كان هو من أهل الخبرة، و لو لم يُعمل رأيه فعلًا، و لهذا قلنا: إنّه يجوز الرجوع من قبل الفقيه الأقلّ علماً إلى من هو أكثر منه علماً، أمّا أنّه يرجع إلى من يساويه، فلم تنعقد السيرة عليه.
هذا هو تصوّرنا عن هذه الكبرى، و سوف يتوضّح أكثر في بحث حجّيّة خبر الواحد في بحث الاجتهاد و التقليد.