بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٨١ - الجهة الخامسة أنّ الحجّيّة الثابتة للظهور، هل هي ثابتة لظهور موضوعيّ فرعيّ محفوظ، أو هي ثابتة لظهور ذاتيّ شخصيّ
المتكلّم بما هو متكلّم إنّما يكون الغالب و بمقتضى الطبع فيه متابعة العرف و اللّغة المعاصرة له، لا العرف و اللّغة التي سوف تتطوّر و تنشأ بعده، فكلّ كلام يصدر من متكلّم يُحمل بمقتضى الطبع و الغلبة على ما يكون منقّحاً في ذلك العصر، و أمّا حمله على الظهور الموضوعيّ في عصرٍ آخر فهو بناء تعبّديّ صرف، و ليس مبنيّاً على نكتة كشف نوعيّة، و حيث إنّنا لم نقبل بالظهورات التعبّديّة الصرفة، و إنّما أرجعناها إلى الكاشفيّة و الطريقيّة فلا بدّ حينئذٍ من القول إنّ موضوع الحجّيّة هو الظهور الموضوعيّ الكاشف عنه في عصر صدور النصّ.
و من هنا يستشكل في أنّ الحجّة إذا كان موضوعها هو الظهور المعاصر للنصّ، إذن، كيف نستطيع إحرازه، مع أنّ غاية ما نستطيع إحرازه بالتبادر أو بالفحص هو الظهور الموضوعيّ المعاصر لنا؟
أمّا أنّ هذا الظهور كان موجوداً للكلام في عصر صدور النصّ، فهذا ما لا يمكن لنا إثباته، إذن، كيف يمكن أن نثبت أنّ هذا الظهور هو عين ذاك الظهور؟
و في مقام علاج هذه الشبهة وضعوا أصلًا سمّوه بأصالة عدم النقل، بمعنى: أنّه كلّما وجدنا ظهوراً للكلام في هذا العصر، و شككنا في أنّه هل كان موجوداً سابقاً أو لا، فحينئذٍ: نجري أصالة عدم النقل، و بذلك يثبت أنّ الكلام كان في السابق له نفس هذا الظهور؛ إذ لو كان له ظهور آخر لكان معناه: أنّه نُقل، و المفروض أنّ الأصل عدم النقل.
وعليه: فأوّلًا: نثبت الظهور الذاتيّ، و ثانياً: نثبت الظهور الموضوعيّ في عصرنا، و ثالثاً: نُثبت بأصالة عدم النقل أنّ هذا الظهور هو نفس ذاك الظهور في عصر النصّ، و رابعاً: نرتّب على ذلك الظهور الحجّيّة، و قد يُسمّى هذا الأصل بالاستصحاب القهقريّ، باعتبار أنّه يُشبه الاستصحاب، لكن بشكل عكسيّ، أي: صدور للمراحل القبليّة