بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٧٦ - الجهة الخامسة أنّ الحجّيّة الثابتة للظهور، هل هي ثابتة لظهور موضوعيّ فرعيّ محفوظ، أو هي ثابتة لظهور ذاتيّ شخصيّ
و إن شئت قلت: إنّ الظهور الموضوعيّ هو الظهور لدى ربّ النوع لأبناء اللّغة، بينما الظهور الذاتيّ هو الظهور لهذا أو لذاك، و بهذا يعرف: أنّ مقام ثبوت الظهور الموضوعيّ غير مقام إثباته، أي: أنّ له واقعاً قد يُعرف و يصل، و قد لا يُعرف و لا يصل، و هذا معناه: أنّه قد نشكّ في الظهور و لا ندري أنّه ظاهر في أيّ معنىً، و هذا الشكّ ليس شكّاً في الظهور الذاتيّ؛ لأنّ الظهور الذاتيّ ينسبق إليه الذهن، إذن، فهو أمر وجدانيّ، و لا شكّ في الأمور الوجدانيّة، و إنّما يكون الشكّ في الظهور الموضوعيّ.
ثمّ إنّ هذا الظهور الموضوعيّ لا يُتصوّر فيه النسبيّة و التفاوت بين الأشخاص، ففيما لو استظهر فقيهان و ظهر لأحدهما معنىً لم يظهر للآخر، فهنا، لا محالة أنّ أحدهما مصيب و الآخر مخطئ، لا أنّ كلّاً منهما مصيب، نعم، كلّ منهما ظهوره ذاتيّ تامّ؛ لوجوده في ذهن كلٍّ منهما، لكن الظهور الموضوعيّ على طبق أحدهما فقط، و لا يُعقل أن يكون على طبق كلٍّ منهما، و هذا معنى أنّ أحدهما مصيب و الآخر مخطئ.
و هذان الظهوران قد يتطابقان و قد يختلفان، بمعنى: أنّ الشخص قد يشتبه فيستظهر معنىً على خلاف ما للكلام من ظهور بلحاظ مجموع أساليب العرف و أهل المحاورة و اللّغة، و هذا الاشتباه ناشئ إمّا من عدم استيعابه لذلك أو لأجل تدخّل أمور شخصيّة في هذا الاستظهار.
و حينئذٍ نأتي إلى الحجّيّة فنقول: إنّ حجّيّة الظهور ما هو موضوعها، هل هو الظهور الذاتيّ أو الظهور الموضوعيّ؟
و الصحيح: أنّ موضوعها هو الظهور الموضوعيّ، فأصالة الظهور بمعنى لزوم حمل اللّفظ على المعنى الذي يكون ظاهراً فيه بحسب واقعه الموضوعيّ، و بموجب مجموع أساليب اللّغة المشتركة بين الأفراد.