بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٥٥ - الوجه الثالث ممّا يستدلّ به على تخصيص دليل حجّيّة الظواهر
و الخلاصة هي أنّ الاستدلال بالآية مبنيّ على حمل التشابه على التشابه بلحاظ المدلول المفهوميّ، مع أنّك قد عرفت أنّ المراد هو التشابه بلحاظ المدلول المصداقيّ بالقرينة التي عرفت.
الجواب الخامس: هو أن يُقال: إنّه لو سلّمنا حمل المتشابه و التأويل في الآية على المدلول المفهوميّ، و التأويل نحمله على التأويل بلحاظ عالم المعنى لا الأول، حينئذٍ نقول: بأنّ الآية تنهى عن اتّباع المتشابه ابتغاء تأويله، أي: عن هذه الحصّة من المتشابه.
و من الواضح: أنّ التأويل إذا حملناه على المعنى المصطلح، إنّما يكون في الأخذ بكلام معنى ظاهر، و حمل هذا الكلام على غير معناه الظاهر، فبهذا يصدق عنوان التأويل، لكن إذا قال: (رأيت مولى)، و السامع حمل المولى على العبد، فهنا لا يُقال: إنّ السامع أوّل الكلام، و إنّما يُقال: حمل اللّفظ على أحد وجهيه بلا موجب، فالتأويل هو حمل اللّفظ على غير معناه الظاهر، و حينئذٍ: يكون المنهيّ عنه في الآية هو اتّباع كلام له معنى ظاهر، و له معنى غير ظاهر، و يكون هذا الاتّباع لأجل تأويله و حمله على معناه غير الظاهر.
و هذا مطلب لا يتّفق في المحكمات؛ لأنّها غير قابلة إلّا لمعنى واحد.
وعليه: فالاستدلال في المقام باطل بلا حاجةٍ إلى دعوى اختصاص عنوان المتشابه بالمجمل، بل حتى لو طُبّق المتشابه على المعنى الظاهر، فمع هذا، لا يتمّ الاستدلال؛ لأنّ المذموم إنّما هو تأويل الكلام ابتغاء الفتنة، و هذا إنّما يكون في حمل اللّفظ على غير معناه الظاهر.
و الحاصل هو أنّه لو سلّمنا إرادة المتشابه بحسب المدلول المفهوميّ، إلّا أنّ قوله تعالى: وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ دليل على أنّ المنهيّ