بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٥٢ - الوجه الثالث ممّا يستدلّ به على تخصيص دليل حجّيّة الظواهر
و هذا هو معنى (المتشابه) اصطلاحاً، و هذا معناه: أنّ القرآن ليس فيه آيات غامضة و غير مفهومة بحسب مدلوله المفهوميّ، و قد أكّد هذا القرآن من أنّه نزل هدًى و تبياناً لكلّ شيء، إذن، فليس فيه آيات مجملة مفهوماً في ذاتها، نعم، قد تكون مجملة بسبب عدم علمنا باللّغة، و لكن إذا بلغنا درجة قويّة من المعرفة باللّغة كتلك الدرجة التي كانت عند عرب نزول القرآن، فلعلّه لا يبقى عندنا مجمل أصلًا.
و القرينة على أنّه لا يُراد بالمحكم و المتشابه المدلول المفهوميّ، أي: المجمل، بل المراد التشابه المصداقيّ، القرينة على ذلك من نفس الآية، قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ، و من الواضح: أنّ اتّباع ما تشابه لا معنى له إذا كان المراد بالمتشابه (المجمل)؛ لأنّ العمل بأحد وجهي المجمل ليس عملًا بالمجمل، فإنّ اتّباع كلام إنّما هو باتّباع ما له من مدلول عرفيّ، إذن، المتشابه، و في مقابله: المحكم، لم يلحظ فيه المدلول المفهوميّ، و إنّما لوحظ بالنسبة لعالم المدلول المصداقيّ، أي: ما هو المصداق المشخّص للمفهوم الكلّيّ الواضح في بعض الآيات، و غير الواضح في الأُخرى، فمثلًا: حينما تتكلّم الآيات عن علم الله تعالى، و أنّه لا يعزب عن علمه ذرّة في الأرض و لا في السماء، فهذا مصداقه واضح؛ لأنّنا نشخّص هذا العلم فضلًا عن المفهوم، لكن عند ما يقول: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ، يَداهُ مَبْسُوطَتانِ، اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ،* فإنّ هذا من حيث المفهوم واضح، و لكنّه من حيث المصداق غير واضح، باعتباره مرتبطاً بعالم الغيب، مضافاً إلى تأرجح الذهن البشريّ و تلوّثه بالمفاهيم المادّيّة، حيث لا يمكنه أن يتصوّر إلّا المعاني الحسّيّة، إذن، فهذه الآيات غامضة من حيث المصداق، و قد كان شأن أهل البدع و الضلالة الأخذ بآيات هي من حيث المفهوم واضحة، لكن من حيث المصداق غامضة، مثل هذه الآيات، كانوا يركّزون عليها ابتغاء الفتنة و التأويل.