بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٥١ - الوجه الثالث ممّا يستدلّ به على تخصيص دليل حجّيّة الظواهر
الآخر، و إنّما يصدق المتشابه عند ما تتساوى نسبة دلالة اللّفظ إلى كلٍّ منهما، و هذا لا يكون إلّا في المجمل.
و هذا الكلام لا ينبغي الاستشكال فيه.
و لكن هناك بحث لا بدّ من استيعابه، و حاصله: هو أنّ المتشابه و المحكم اللّذين جُعلا قسمين في الآية، هل أُريد منهما التشابه و الإحكام بلحاظ المدلول المفهوميّ، أو بلحاظ المدلول المصداقيّ؟
و توضيحه: هو أنّ للكلام مدلولًا مفهوميّاً، و هو عبارة عن المعنى الذي يخطر ببال العالم باللّغة حينما يسمع ذلك الكلام، أي: المدلول الاستعماليّ للّفظ، لا المفهوم في مقابل المنطوق.
و قد يتّفق أن يكون للكلام مدلول مصداقيّ، و هو عبارة عن المصداق الذي يتشخّص به المفهوم، فمثلًا: (الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ*)، فهو من حيث المفهوم واضح في كونه الطريق، و لكنّ المصداق، و هو واقع الصراط، فلا يعلمه إلّا الله تعالى، و كذلك قوله تعالى: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ، فالمدلول المفهوميّ للكرسيّ يفهمه كلّ عربيّ، لكن المدلول المصداقيّ المجسّد لهذا المفهوم لا يعرفه إلّا الله تعالى، بينما لو قيل في جملة أُخرى: صنع النجّار كرسيّاً و جلس عليه، فهنا، المفهوم واضح، و المصداق أيضاً واضح.
إذن، فالكلام له مدلول مفهوميّ، و مدلول مصداقيّ، و هو الذي يكون في عالم التطبيق على الوعاء الخارجيّ مناسباً لهذا المفهوم.
و حينئذٍ: إذا كان للكلام هذان المدلولان، حينئذٍ: الإحكام و التشابه تارةً يُلحظ فيهما المدلول المفهوميّ، أي: أنّه يُراد بالمحكم و المتشابه المدلول المفهوميّ، و حينئذٍ: يُنتج أنّ المقصود من المتشابه هو كلّ كلام مدلوله و معناه غير واضح، و فيه عدّة أوجه، ففي مثله: يتمّ كلام العلماء؛ لأنّه يصير معنى (متشابه)، أي: متساوٍ، أي: مجمل،