بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٥٠ - الوجه الثالث ممّا يستدلّ به على تخصيص دليل حجّيّة الظواهر
إذن، فالتجريح المستفاد من الآية ليس متعلّقه ذات العمل بالمتشابه، بل متعلّقه تتبع المتشابهات و الاقتصار في العمل عليها، فهذا هو شأن أهل الزيغ، و الآية من هذا القبيل، و قد ورد في تفسير هذه الآية أنّها نزلت في نصارى نجران الذين كانوا يشنّعون على المسلمين بالمتشابهات التي قد يتراءى منها أنّ عيسى (عليه السّلام) له درجة معيّنة فوق البشر كما يقولون: روح منه، أو كلمة منه تعالى، و نحو ذلك، تاركين الآيات الأُخرى الواضحة التي تقول إنّ الله تعالى أعلى و أكبر من أن يتّخذ ولداً، و أنّ عيسى ليس إلّا عبداً لله تعالى لا يملك لنفسه نفعاً و لا ضرّاً.
وعليه: فالآية أجنبيّة عن محلّ الكلام؛ إذ إنّها واردة في تأنيب أعداء الإسلام، و أين هذا من بحثنا في جواز العمل بظواهر القرآن.
الوجه الثالث: [ممّا يستدلّ به على تخصيص دليل حجّيّة الظواهر]
في مقام الجواب هو ما ذكره المحقّقون من علماء الأصول- و كأنّهم سلّموا بدلالة الآية على النهي عن العمل بالمتشابه دون أن يشيروا إلى ما ذكر في الوجه الثاني- من أنّ المتشابهات لا تشمل الظواهر، بل الظواهر داخلة في المحكم؛ لأنّ كون معنيين داخلين تحت اللّفظ لا يصدق عليهما أنّها متشابهان مع فرض كون أحدهما في غاية الجلاء و الوضوح، و الآخر في غاية الخفاء، و إنّما يحصل التشابه العرفيّ فيما إذا فرض كون المعنيين متساويين في علاقتهم باللّفظ، و هذا ما ينطبق على تمام الموارد؛ فإنّ العرف لا يرى التشابه عند التفاوت في درجة الجلاء و الوضوح، و إنّما يختصّ المتشابه بالمجمل.
و الحاصل هو: أنّ محقّقي علماء الأصول منعوا من شمول المتشابه للظاهر، و كون قابليّة اللّفظ لأن يُستعمل في كلٍّ من المعنيين لا يجعله متشابهاً، لا سيّما إذا كان وضوحه بيّناً في أحدهما دون