بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٤٥ - و هذا الاستدلال ما قيل و ما يمكن أن يُقال في مناقشته أمور
واحدة، بل قضايا متعدّدة و إخبارات متعدّدة لبّاً بعدد أفراد الموضوع الكلّيّ المقدّر الوجود، و كلام هذا الإغريقيّ فرد من موضوع القضيّة، فيشمله قوله: كاذب، ثمّ نفس الحكم عليه بأنّه كاذب هو قضيّة خبريّة صادرة من إغريقيّ أيضاً، إذن، فتحقّق موضوعاً لقضيّة ثانية حسب الانحلال؛ لأنّها هي أوّل قضيّة تصدر من إغريقيّ، ثمّ القضيّة الثانية بنفسها تحقّق أيضاً فرداً من موضوع القضيّة الكلّيّة الحقيقيّة، و لهذا تستتبع محمولًا جديداً، و هو أنّ هذا كاذب، و هكذا يتسلسل إلى غير نهاية الإخبارات عن الكذب.
و إذا دقّقنا النظر في هذه السلسلة من القضايا الخبريّة، نجد أنّ صدق كلّ قضيّة من القضايا الواقعة في داخل هذه السلسلة، صدقها يلزم منه كذب طرفيها، لا كذب نفسها، و كذلك كذبها يلزم منه صدق طرفيها، لا صدق نفسها.
فمثلًا: أوّل حلقات هذه السلسلة هو قولنا: كلام الإغريقيّ كاذب، و القضيّة الثانية: هي أنّ هذا الإخبار كاذب، و القضيّة الثالثة هي أنّ الإخبار عن كذب الإخبار الأوّل كاذب، و هكذا القضيّة الثالثة، إذا صدقت فهذا معناه أنّ الأُولى سوف تكون كاذبة؛ لأنّ الثانية إخبار عن كذب الأُولى، فإذا صدقت الثانية فسوف تكون الأُولى كاذبة؛ لأنّ الثانية إخبار عن كذبها، و سوف تكون الثالثة كاذبة؛ لأنّها إخبار عن كذب الثانية، و قد فرضنا صدق الثانية، إذن، صدق الثانية يلزم منه كذب طرفيها، لا كذب نفسها، كما أنّه لو كانت القضيّة الثانية كاذبة لزم من ذلك صدق طرفيها؛ لأنّه إذا كانت كاذبة و هي تخبر عن كذب الأُولى، إذن، الأُولى صادقة، و الثالثة كذلك؛ لأنّ الثالثة تخبر عن كذب الثانية، و قد فرض كذب الثانية، إذن، فالثالثة صادقة، إذن، فلم يلزم من وجود شيء عدمه، بل لزم من صدق الثانية كذب طرفيها، و من كذبها صدق طرفيها، فلا يلزم محذور أنّ الوجود يستلزم العدم.