بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٠ - الاعتراض الثالث هو أنّه لو سلّم انعقاد البناء العقلائيّ على أصالة الإمكان، إلّا أنّه لا قطع بموافقة الشارع لذلك
و من هذه الملاحظة يتّضح التعليق المناسب على الاعتراض الثالث لصاحب الكفاية (قده) بما بيّنّاه، و هو أنّ السيرة العقلائيّة لا يعقل القطع بإمضاء الشارع لها؛ لأنّ القطع بذلك مرجعه إلى القطع بجعل حكمٍ ظاهريّ؛ لأنّ أصالة الإمكان بنفسها حكم ظاهريّ كما مرّ تفصيله، و حينئذٍ نقول: بأنّنا نفترض القطع بالإمضاء، و معنى هذا: القطع بأنّ الشارع جعل أصالة الإمكان في المقام، و لكنّ هذا ليس معناه القطع بإمكان الجمع بين الأحكام الواقعيّة و الظاهريّة؛ إذ قد لا يكون للمولى أحكام واقعيّة في حقّ من يشكّ بالإمكان، إذن، لا يقطع بالجمع بينهما، و إنّما نشكّ في إطلاق الأحكام الواقعيّة لهذه الحالة، حينئذٍ، بأصالة الإمكان نُثبت الأحكام الواقعيّة بالمعنى المتقدّم، و ذلك بعد أن قطعنا بإمكان الحكم الظاهريّ، و قطعنا بجعل سائر الأحكام الظاهريّة، حينئذٍ، نتمسّك بها لإثبات إطلاق الحكم الواقعيّ.
نعم، لو كان مقصود الكفاية من هذا الاعتراض الثالث أنّه لا موجب لحصول القطع بالإمضاء؛ لأنّ القضيّة ليست شائعة، فحينئذٍ: يكون كلامه وجيهاً في نفسه.
و الحاصل: هو أنّنا نفترض قيام دليل قطعيّ على جعل الحكم الظاهريّ، و نقصد به الحكم المجعول في مورد الشكّ أو الظنّ، إلّا أنّ مجرّد هذا لا يوجب ارتفاع موضوع أصالة الإمكان كما عرفت في الاعتراض الأوّل؛ لأنّ محذور الامتناع و الإمكان ليس في جعل هذا الحكم بحسب الحقيقة، بل في الجمع بينه و بين الحكم الواقعيّ، نعم، غاية ما يلزم من قطعيّة دليل هذا الحكم المجعول، هو القطع بثبوت أحد الحكمين، و هو الحكم الثابت بعنوان الظنّ أو الشكّ، و أمّا كونه واقعيّاً أو ظاهريّاً، بمعنى: أنّه في مورده حكم واقعيّ مضادّ أو مماثل، فلا يثبت من هذا الدليل لكي يُقال: بأنّه قد ثبت الإمكان بلا حاجةٍ