بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٩ - الاعتراض الثالث هو أنّه لو سلّم انعقاد البناء العقلائيّ على أصالة الإمكان، إلّا أنّه لا قطع بموافقة الشارع لذلك
أحكام ظاهريّةٍ بلا أحكام واقعيّة عن طريق الالتزام بالسببيّة أيضاً لا إشكال فيه، و إنّما الذي يشكّ في إمكانه و استحالته هو الجمع بين الحكم الظاهريّ و الواقعيّ، و حينئذٍ، فإن كنّا قد قطعنا بالحكم الظاهريّ في المقام باعتبار قيام آيةٍ صريحة على جعل الحجّيّة لخبر الواحد، إذن، فبأصالة الإمكان لا نريد إثبات الحكم الظاهريّ في هذا المقطوع به، بل نحن حينئذٍ بأصالة الإمكان نريد أن نُثبت إطلاق الحكم الواقعيّ؛ فإنّ إطلاق دليل الحكم الواقعيّ أمارة ظنّيّة على ثبوته، لكن نحن نحتمل استحالة ثبوته، و بأصالة الإمكان نثبت إمكانه، و ذلك بأن نقول: إنّه قد قامت أمارة ظنّيّة معتبرة على ثبوت الحكم الواقعيّ، و هي إطلاق دليله، و هذه الأمارة الظنّيّة مقطوعة الحجّيّة في المقام، و إنّما نشكّ في إمكان مدلولها و عدمه، و هنا يصحّ كلام السيّد الخوئي (قده) في أصوله؛ لأنّه فرغنا هنا عن إثبات الحجّيّة، و إنّما لم يكن معقولًا؛ لأنّه كان يُراد به إثبات الحجّيّة، و الآن صار معقولًا بعد أن أثبتنا الحجّيّة و نريد أن نُثبت مفاد الحجّة، أي: إطلاق الحكم الواقعيّ، حينئذٍ يُقال: إنّه في بداية الأمر قامت أدلّة قطعيّة على حجّيّة الخبر، و لهذا ثبت الحكم الظاهريّ، لكن نشكّ في أنّ الأحكام الواقعيّة ممكنة الثبوت معها أو لا؟ و هنا نقول: إنّ تلك الحجج التي فرغنا عن حجّيّتها دلّت على إطلاق الحكم الواقعيّ؛ لأنّ ظاهر الدليل أنّ الحكم الواقعيّ يشترك فيه العالم و الجاهل، و لا تُرفع اليد عن الحجّيّة لمجرّد احتمال استحالة مفاد هذه الحجّيّة، حينئذٍ، بأصالة الإمكان التي معناها التمسّك بالحجّة- ما لم نقطع باستحالة مفادها- نُثبت إطلاق الحكم الواقعيّ، فيكون لأصالة الإمكان أثر عمليّ في المقام، و هو إثبات الجمع بين الحكم الظاهريّ و الحكم الواقعيّ.
بهذا التوجيه يمكن أن يكون لأصالة الإمكان أثر، و إن كان لا يكون لها أثر بناءً على ما ذكره الشيخ الأعظم (قده).