بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٨٩ - المقارنة بين الاستدلال بالسيرتين على حجّيّة الظهور
فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما، قال (عليه السّلام): كان ذلك في عمرة القضاء أنّ رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) شرط عليهم أن يرفعوا الأصنام من الصفا و المروّة، فتشاغل رجل السعي حتى انقضت الأيّام و أُعيدت الأصنام، فجاءوا إليه فقالوا: رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) إنّ فلاناً لم يسعَ بين الصفا و المروة و قد أُعيدت الأصنام، فأنزل الله تعالى: فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما، و عليهما الأصنام. فهنا ترى إمضاءً من قبل الإمام لما استظهره الراوي، فإنّ الراوي استظهر من كلمة (فَلا جُناحَ عَلَيْهِ) عدم الوجوب، حيث تراه قد استشكل في أنّه كيف تقول إنّ السعي واجب، مع أنّه قال الله تعالى: فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما.
و من الواضح: أنّ استفادة عدم الوجوب من نفي الجناح هو أيضاً استفادة من الظهورات المبنيّة على العناية، حيث يُقال بمر الحقّ: الواجب أيضاً لا جناح منه كالمستحبّ، فحاقّ اللّفظ لا دلالة له في هذا الكلام على نفي الوجوب، و إنّما يكون الكلام دالّاً على نفي الوجوب بعد ضمّ مناسبات البيان و المبيّن، و أنّ المبيّن إذا كان واجباً فلا يناسب أن يبيّن بلسان (لا جناح)، و من هنا، فنحن نستفيد من لسان (لا أحبّ ذلك)، أنّه ليس بحرام، و لا يناسب الحرمة إلّا بإعمال مناسبات البيان و المبيّن.
و الحاصل هو أنّ السائل قد استظهر من نفي الجناح في الآية، استظهر الترخيص و نفي الوجوب، فإنّ الواجب لا يناسب عرفاً أن يعبّر عنه بكلمة (لا جناح)، و إن كان بحسب حاقّ اللّغة لا بأس فيه، و الإمام (عليه السّلام) قد أمضى استظهار السائل هذا، و لكنّه ألفته إلى أنّ التعبير بذلك إنّما جاء بلحاظ خصوصيّة واقعةٍ معيّنة كان يتوهّم فيها سقوط السعي؛ لابتلائه بمحذور الأصنام.
إذن، فنفي الجناح ليس بلحاظ أصل عمل السعي، و إنّما إتيانه