بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٧ - الاعتراض الثالث هو أنّه لو سلّم انعقاد البناء العقلائيّ على أصالة الإمكان، إلّا أنّه لا قطع بموافقة الشارع لذلك
الملاحظة الأُولى: هي أنّه لو بقينا نحن و هذا الاعتراض، فحينئذٍ، يمكن القول بأنّنا نختار قيام دليلٍ قطعيٍّ على التعبّد بالحكم الظاهريّ، لكنّه قطعيّ من غير ناحية الإمكان، بمعنى: أنّه دليل تامّ لو كان الإمكان تامّاً في الواقع، فتكون دلالته منوطةً بواقعيّة الإمكان، و يكون التعبّد به ممكناً في نفس الأمر و الواقع.
و توضيحه: أنّنا تارةً نفرض قيام دليلٍ لفظيٍّ قطعيٍّ على الحجّيّة، من قبيل آيةٍ صريحة، ففي مثله يأتي كلام الآخوند (قده)، و هو أنّ هذا الدليل القطعيّ بنفسه يكون دليلًا على الإمكان؛ لأنّ دلالة القطع على الوقوع فعليّة و غير معلّقة على الإمكان، و حينئذٍ: بها نُثبت الإمكان؛ إذ لا حاجة لأصالة الإمكان.
لكن إذا فرضنا أنّ الدليل على الحجّيّة كان هو السيرة العقلائيّة كما هو الغالب، و فرضنا أنّ هذه السيرة إنّما تكون حجّةً إذا ثبت إمضاء الشارع و عدم ردعه عنها؛ لأنّ المردوع عنه ليس بحجّة، و عدم ردع الشارع عن هذه السيرة إنّما يُجزم به على تقدير عدم استحالة جعل الحجّيّة.
و أمّا إذا كنّا نحتمل استحالة جعل الحجّيّة، و نحتمل أنّ هذه الاستحالة هي استحالة عرفيّة عند غيرنا، فحينئذٍ، لعلّ المولى إنّما لم يصرّح بالردع اعتماداً على هذه الاستحالة و اكتفاءً بها، ففي مثله حينئذٍ، لا يحصل الجزم بالإمضاء من سكوت المولى عن الردع، و حينئذٍ: في مثل هذه الفرضيّة، يكون الدليل على الحجّيّة- و هو السيرة- دلالته القطعيّة معلّقة على نفس هذه الاستحالة العرفيّة؛ إذ ما لم نحرز عدم الاستحالة لا نحرز أنّ سكوت المولى إمضاء لهذه السيرة، إذن، فدلالة هذا الدليل على الوقوع فرع الإمكان. هذا هو فرق هذا الدليل عن الآية الصريحة؛ لأنّ دلالتها على الوقوع ليس فرع الإمكان، بل بفعليّة