بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٦٠ - التقريب الثاني هو أن يُستدلّ بالسيرة العقلائيّة،
الأُولى: هي أنّ هذه العمومات لا تصلح للردع عن السيرة، باعتبار أنّ هذه السيرة باستحكامها و شدّة ترسّخها و قوّة فاعليّتها في أذهان العقلاء، لم تتأثّر أو يتزعزع شيء منها حتى بعد مجيء هذه المطلقات، فإنّ الردع لا بدّ و أن يتناسب قوّةً مع قوّة المردوع عنه، فمثلًا: نرى ورود كثير من النصوص الرادعة عن العمل بالقياس، مع أنّه لا ترسّخ له في أذهان العقلاء، بل إنّ الحاجة الفقهيّة إلى القياس أقلّ بمراتب من الحاجة إلى التعامل بالظهورات في أبواب الفقه، فضلًا عن المجالات الأُخرى، إذن، فلا يُكتفى في المقام للردع عنها إطلاق آية أو رواية، إذن، فعدم الردع ثابت لا محالة.
الثانية: هي ما قد يُقال: من أنّ الردع بهذه العمومات مستحيل؛ لأنّ ما يُراد جعله رادعاً هو بنفسه ظهور و ظنّ، إذن، فيلزم من كونه رادعاً عدم كونه رادعاً، و معنى هذا: أنّه يلزم من حجّيّته كي يكون رادعاً عدم حجّيّته، و ما يلزم من وجوده عدمه باطل و محال، فالنتيجة هي أنّ حجّيّة هذه العمومات في الردع عن العمل بالظهور محال أيضاً.
و هذا البيان يحتاج تتميمه إلى ضمّ دعوى مصادرة وجدانيّة، حاصلها: هو أن يُدّعى القطع بعدم الفرق بين شخص هذا الظهور الرادع و سائر الظهورات في فرض عدم الحجّيّة، حيث يُقال:
إمّا أنّها كلّها حجّة، أو أنّها كلّها ليست بحجّة، و إلّا، فنثبت حجّيّة شخص هذا الظهور بالسيرة العقلائيّة؛ إذ لا رادع عنه غيره بحسب الفرض، و هو يستحيل أن يكون رادعاً عن نفسه.
و لكن إذا لم يُدَّعَ ذلك، فلا مانع من شمول ظهور غيره، إذن، لا يلزم منه سقوط نفسه، و حينئذٍ: يصحّ أن يُردع به عن حجّيّة سائر الظهورات بلا محذور.
هذا تتميم كيفيّة الاستدلال بالسيرة العقلائيّة في المقام.