بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٥٩ - التقريب الثاني هو أن يُستدلّ بالسيرة العقلائيّة،
حاصلها: هو أن يُدّعى القطع بعدم الفرق بين ظهور هذه الآية الرادعة و بين بقيّة الظواهر، بمعنى: أن يُقال: إمّا كلّها حجّة، و إمّا كلّها ليست بحجّة، و لا يُحتمل أن يكون بعضها حجّة دون الآخر، أي: أنّه لا يُحتمل أن يكون ظهور خصوص هذه الآية حجّة دون غيرها.
و بعد ادّعاء هذه المصادرة يثبت هذا المطلب بالبيان المتقدّم، و هو أنّه لو كان ظهور هذه الآية رادعاً عن العمل بالظواهر لكونها ظنّاً، إذن، ظهورها يكون رادعاً عن نفسه، و مسقطاً لحجّيّة ظهور هذه الآية.
و أمّا إذا لم يُدَّعَ ذلك، و احتملنا الفرق في الحجّيّة بين ظهور و آخر، فحينئذٍ نقول: بأنّ غاية ما يلزم من البرهان هو أنّ الردع المستفاد من هذه الآية لا يشمل ظهور نفس الآية هذه، لكن لا مانع من شمول ظهور غيرها، و حينئذٍ: لا يلزم منه سقوط نفسها، و حينئذٍ: نُثبت حجّيّة ظهور الآية بالذات بالسيرة العقلائيّة؛ لأنّها قائمة على العمل بالظهور، و لا ردع عن ظهور شخص هذه الآية؛ لأنّ الردع عنها يكون بها، و يستحيل شمول الردع المجعول بها لها، و حينئذٍ: إذا صار ظهورها حجّة، فيُردع به عن بقيّة الظواهر جميعاً بلا محذور.
و الحاصل هو أنّه قد يُشكل على إثبات عدم الردع بعدم الوصول، فيُقال: بأنّه يكفي في الردع عمومات النهي عن العمل بالظنّ، أو إطلاق أدلّة الأصول و القواعد الشرعيّة المنقّحة لموارد عدم العلم الشامل للظنّ، كحديث الرفع و غيره.
و هذه الشبهة كما تورد هنا، فهي كذلك تورد على الاستدلال بالسيرة على حجّيّة خبر الواحد.
و هناك نكات و بحوث مشتركة بين المسألتين، نؤجّلها إلى بحث خبر الواحد، و لكن نتعرّض في المقام إلى نكتتين منها.