بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٥ - الاعتراض الثالث هو أنّه لو سلّم انعقاد البناء العقلائيّ على أصالة الإمكان، إلّا أنّه لا قطع بموافقة الشارع لذلك
إمكانه، و أنّه هل يجوز جعل الحكم الظاهريّ أو لا؟ و أنتم تقولون بأنّه نتمسّك بأصالة الإمكان في جعل الحجّيّة لخبر الواحد، لا مطلقاً، بل فيما إذا قام دليل ظنّيّ معتبر على الحجّيّة، كآية النبأ مثلًا.
و لكن حينئذٍ، ننقل الكلام إلى نفس هذا الدليل الظنّيّ الدالّ على حجّيّة خبر الواحد، و نقول: إنّه نحتمل استحالة جعل الحجّيّة لهذا الدليل، فإن نقلتم الكلام إلى دليل حجّيّة هذا الظهور أو الدليل، نقلنا الكلام إليه أيضاً، فإن وصلتم أخيراً إلى دليل قطعيّ على الحجّيّة، فهذا الدليل القطعيّ على الحجّيّة يكون بنفسه دليلًا قطعيّاً على الإمكان، إذن، يثبت الإمكان وجداناً، لا تعبّداً، و إن لم يصل التسلسل إلى دليلٍ قطعيٍّ على الحجّيّة، إذن، فتمام هذه الأدلّة حجّيّتها مشكوكة الإمكان أو الاستحالة، و لا يمكن التمسّك بها.
و كم فرق بين هذا و بين المثال الذي ذكره و قاس المطلب عليه، و هو ما لو كان ظاهر كلامه وجوب إكرام العالم الفاسق بإطلاق خطابه، و احتملنا أنّ وجوب إكرامه غير واجدٍ للملاك الواقعيّ، ففي مثله: لا إشكال في وجوب التمسّك بظهور كلام المولى و إطلاقه، و ذلك لأنّ الشكّ و الاستحالة هناك شكّ في استحالة المدلول و إمكانه، لا في استحالة حجّيّة الظهور و إمكانه، بقي ظهور كلام المولى في الإطلاق، فهذا الظهور مقطوع الحجّيّة، و لا نحتمل أنّه بلا ملاك، كما أنّا نقطع بأنّ حجّيّة الظهور لها ملاكٌ لحكم الظاهريّ، و إنّما الشكّ في أنّ الوجوب الواقعيّ لإكرام العالم الفاسق، هل له ملاك أو لا؟ إذن، فحجّيّة الظهور ثابتة في حقّنا جزماً؛ لأنّنا لا نحتمل استحالة الحجّيّة، و إذا كانت كذلك، حينئذٍ: كيف نطرح الحجّة لمجرّد احتمال كون مدلول الحجّة مستحيلًا؛ فإنّ الاحتمال لا يسوّغ رفع اليد عن الحجّة.
و أمّا في محلّ الكلام؛ فإنّ المفروض أنّ المبحوث عنه هو إمكان