بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٣٢ - الجهة الرابعة هي في مقدار ما يُستفاد من السيرة من حدود الحكم الشرعيّ
و تارةً أُخرى يُفرض أنّ هذا المطلب الذي تطابق عليه الناس لم يكن هناك دواعٍ طبيعيّة للقيام به، حينئذٍ: يكشف ذلك لا محالة عن مطلوبيّة هذا الفعل، و عن كون هذا الالتزام ناشئاً عن نكتة شرعيّة و التزام شرعيّ، و كذلك لو كان الالتزام بفعل له عنوان عباديّ بحيث لا يصحّ إلّا على وجه عباديّ، حينئذٍ: حيث إنّ عباديّته تتوقّف على الأمر، حينئذٍ: يستكشف منه وجود الطلب، غايته: أنّ هذا الطلب يكون أعمّ من الوجوب و الاستحباب.
و خلاصة مقدار ما يثبت بالسيرة المتشرّعيّة من حدود الحكم الشرعيّ هو أنّه تارةً تنعقد السيرة المتشرّعيّة على عدم التقيّد بفعل، كما في عدم التقيّد بمسح القدمين في الوضوء بتمام الكفّ، فتدلّ حينئذٍ على عدم وجوبه بحساب الاحتمالات، و تارةً أُخرى تنعقد على الإتيان بفعل أو ترك، حينئذٍ لا إشكال في ثبوت الجواز بالمعنى الأعمّ المقابل للحرمة، بل الكراهة أيضاً، و بنفس الملاك، و أمّا ثبوت الوجوب أو الاستحباب أو جامع المطلوبيّة بها، فهو بحاجة إلى تفصيل؛ لأنّ السيرة العمليّة المتشرّعيّة إن أُحرزت نكتتها الارتكازيّة و عنوان عمل المتشرّعة فيها، كما لو علم أنّهم يعملون ذلك على وجه الاستحباب، فحينئذٍ: يأتي نفس ملاك حجّيّة السيرة الذي هو النكتة المتّفق عليها في السيرة، و إلّا، فإن كان وجه العمل المتشرّعيّ مجملًا غير واضح، فحينئذٍ: تارةً يُفرض وجود دواعٍ خارجيّة طبيعيّة للالتزام بذلك الفعل، كالعرف العامّ، كما في إعفاء اللّحية، فإنّه حينئذٍ لا يمكن أن يستكشف من انعقاد العمل به المطلوبيّة؛ إذ لعلّه على أساس ذلك الداعي الخارجيّ، و تارةً أُخرى يُفرض عدم وجود داعٍ كذلك، فيكشف ذلك عن أصل المطلوبيّة، غايته: أنّ هذا الطلب يكون أعمّ من الوجوب و الاستحباب.