بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢١٧ - الجهة الثالثة و هي في إثبات الركن الثاني في تتميم دلالة السيرة
حجّيّتها شرعاً عندهم، و سيرة هؤلاء نسمّيها إجماعاً، كما سنبحثه مستقلّاً، و إنّما كلامنا في سيرة الطبقات الذين قبلهم، و هم الذين كان يتيسّر لهم معرفة الحكم، إمّا بالرجوع إلى المعصوم (عليه السّلام) مباشرة، و إمّا بواسطة قريبة بحيث تصل إلى درجة يكون الاطّلاع فيها على الحكم حسّيّاً أو قريباً من الحسّ، فهؤلاء إذا ثبت أنّهم كانوا يجهرون في صلاة الظهر من يوم الجمعة، فهذا يكشف- من باب كشف المعلول عن العلّة أو ما يشبهه- عن تلقّيهم هذا الحكم من الشارع؛ لأنّ احتمال تلقّيهم هذه السيرة من الأذواق العقلائيّة و النكات الاجتماعيّة بعيد جدّاً؛ لأنّ المسألة مسألة شرعيّة بحتة.
و حينئذٍ: لو فرض أنّ هؤلاء كانوا يسلكون سلوكاً غير موافق للشرع، كما لو كان الجهر غير مشرّع في صلاة الظهر من يوم الجمعة، إلّا أنّ هؤلاء كان يجهرون، فهذا معناه: افتراض الغفلة في قضيّة حسّيّة أو قوليّة منها في عدد كبير من الناس؛ لأنّ هذا المتشرّع، إمّا أن يكون قد غفل عن السؤال و الفحص، فأقدم على الجهر، و إمّا أنّه فحص، لكنّه غفل عن أنّه لم يستوفِ الفحص المطلوب، فتسرّع و أقدم على الجهر، و إمّا أنّه فحص و استوفى، و لكنّه لم يفهم كلام المعصوم (عليه السّلام).
و كلّ هذه غفلات، و هي و إن كانت محتملة في كلّ شخص شخص، لكن احتمال وقوع اثنين في الغفلة أبعد من احتمال وقوع واحد بحسب حساب الاحتمال، فكيف بوقوع أكثر من اثنين؟!؛ إذ وقوع جميع غفير في الغفلة بعيد جدّاً، بحيث يصل بحسب حساب الاحتمال إلى درجة الانعدام.
و حينئذٍ: إذا ثبت أنّ جمعاً غفيراً كانوا يسلكون هذا السلوك- و هو الجهر-، نجزم حينئذٍ بأنّ هذا السلوك ناشئ من تلقّي هذا