بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢١٦ - الجهة الثالثة و هي في إثبات الركن الثاني في تتميم دلالة السيرة
و هذه الكاشفيّة برهانها يختلف في سيرة المتشرّعة عنه في سيرة العقلاء.
و توضيحه: هو أنّ أصحاب الأئمّة (عليهم السّلام) و المتشرّعة المعاصرين لهم، لهم حيثيّتان:
الحيثيّة الأُولى: حيثيّة كونهم متشرّعة، يأخذون الشرع و الأحكام من الشارع، و يطبّقون أحكام الشريعة فيما لا ربط له بالعقلاء و مواقفهم.
الحيثيّة الثانية: هي حيثيّة كونهم عرفاً و عقلاء، و تتحكّم فيهم أذواق و ارتكازات كسائر العقلاء، حينئذٍ: إذا صدر منهم سلوك لا ربط له بالأذواق العقلائيّة، بل هو مربوط بالجانب التعبّديّ الشرعيّ، فهذا معناه: أنّ هذا السلوك صادر منهم بما هم متشرّعة، كما هو الحال في الجهر في صلاة الظهر من يوم الجمعة الذي هو أمر تعبّديّ؛ فإنّ العقلاء لا بشرط يستندون في انعقاد سيرتهم عليه إلى الشارع.
و لكن تارةً أُخرى يفرض استقرار بنائهم، و انعقاد سيرتهم على (أنّ من يستخرج معدناً يملكه)، فهذا مطلب له جذور و نكات عقلائيّة، و يحتمل أن يكون هذا السلوك متأثّراً بتلك النكات.
و من هنا كان عندنا سيرة متشرّعيّة، و أُخرى عقلائيّة.
فإذا ثبتت سيرة متشرّعيّة معاصر لعهد و زمن المعصوم (عليه السّلام)، فهذا يكشف عن الحكم الشرعيّ، و عن موقف شرعيّ من باب يُشبه كشف المعلول عن علّته.
و توضيحه: هو أنّنا نتكلّم عن المتشرّعة الذين كانت ظروفهم تجعلهم مؤهّلين لتلقّي الأحكام بطريق الحسّ، أو بطريق قريب منه، و هم جلّ المتفقّهة و الفقهاء المعاصرين للأئمّة (عليهم السّلام) في مقابل فقهاء عصر الغيبة الذي كان تلقّيهم مبنيّاً على تخمينات و إعمال آراء ثبتت