بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٩٠ - الوجه الرابع لتأسيس الأصل العمليّ
وجوب الدعاء عند الرؤية، حينئذٍ، سوف ينشأ شكّ و احتمال جديد، و هو احتمال أن يكون وجوب الدعاء قد قامت عليه حجّة معتبرة، و معنى الحجّة المعتبرة، كما تقدّم في شرح حقيقة الحكم الظاهريّ، يعني: أنّ المولى أبرز شدّة اهتمامه بالواقع المشكوك على نحوٍ بحيث لا يرضى بفواته، و هذا الاحتمال يحتاج إلى قاعدة براءةٍ ثانية.
فنقول: إنّ هذا الاحتمال كالأوّل، فكما أنّ الاحتمال الأوّل ليس بياناً، فأيضاً هذا الاحتمال ليس بياناً، إذن، فيقبح العقاب عليه أيضاً، فتجري براءة ثانية، إذن، فهاتان براءتان.
و حينئذٍ: عندم نستشكل في إجراء استصحاب عدم الحجّيّة لتحصيل التأمين، فهذا التأمين الذي يُقال إنّه حاصل بالوجدان، هل هو التأمين بالقاعدة الأُولى، أو هو التأمين بالقاعدة الثانية؟
أمّا التأمين بالقاعدة الأُولى، فمن الواضح: أنّ هذا التأمين غير هذا الذي نريده باستصحاب عدم الحجّيّة؛ لأنّ ذاك تأمين بلحاظ الاحتمال الساذج للواقع، و نحن باستصحاب عدم الحجّيّة نريد التأمين من ناحية الحجّيّة المشكوكة، إذن، فهذا التأمين غير ذلك التأمين الحاصل بالقاعدة.
و إن أردت بالتأمين الحاصل وجداناً أنّه التأمين الحاصل بالبراءة الثانية الجارية عند احتمال الحجّيّة المعتبرة، فمن الواضح: أنّ هذا التأمين، و إن كان بمرتبة ذاك التأمين، لكنّه أشدّ منه ملاكاً، و ذلك لأنّ التأمين الحاصل بالبراءة الثانية تأمين بملاك عدم البيان، بينما التأمين الحاصل باستصحاب عدم الحجّيّة هو تأمين بملاك بيان العدم.
و بتعبير آخر: هو أنّه عندنا احتمال الحجّيّة المعتبرة، و معنى الحجّيّة المعتبرة: أي: احتمال شدّ اهتمام المولى بالواقع المشكوك.
و حينئذٍ: تارةً يقول العقل: ما دمت تحتمل شدّة الاهتمام، فلا