بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٧٣ - الوجه الثاني من تأسيس الأصل هو ما ذكره الشيخ الأعظم
تحريميّاً نفسيّاً من قبيل النهي عن شرب الخمر، و إنّما هو إرشاد لإسقاطه عن الحجّيّة، و معناه: أنّه ليس بحجّة، أي: ليس بعلم عند الميرزا (قده)؛ لأنّ الحجّيّة معناه العلميّة و جعل الطريقيّة، إذن، مفاد النهي الإرشاديّ هو نفي الحجّيّة، أي: نفي جعله علماً، و هذا معناه: أنّ هذا الدليل مع ذاك الدليل في عرضٍ واحد، و لا حكومة لأحدهما على الآخر؛ لأنّ دليل حجّيّة الخبر يقول: هذا حجّة، أي: أنّ هذا علم، و النهي عن اتّباع الظنّ بعد حمله على أنّه إرشاد، يقول: هذا ليس بحجّة، أو ليس بعلم، إذن، فهذان خطابان عرضيّان موضوعهما واحد، و هو هذا الظنّ، إذن، فلا حكومة لأحدهما على الآخر، و لو قام الدليل عليهما معاً لالتزمنا بالتخصيص، و مع عدم قيام الدليل نتمسّك بالعامّ.
إذن، فالظاهر صحّة كلام الشيخ الأعظم (قده)، بمعنى: أنّ ما دلّ على ما عدم جواز التعويل على غير العلم يكون دليلًا اجتهاديّاً دالّاً على عدم حجّيّة كلّ ظنّ ما لم يقم دليل على حجّيّته.
و بهذا العموم، يمكن أن نردّ على الظنون التي ذهب غير الإماميّة إلى حجّيّتها مع عدم قيام الدليل عليها، كالظنون القياسيّة و الاستحسانيّة و غيرها، و يكون هذا العموم هو الأصل.
و دعوى: أنّ النهي عن اتّباع الظنّ مخصوص بخصوص أصول الدين و لا يشمل فروعه، إمّا بدعوى: أنّ هذا هو الظاهر منه، و إمّا بدعوى أنّ هذا المتيقّن منه، على ما ذكر في الكفاية، و بذلك أبطل الاستدلال بهذه الآيات، فمثل هذه الدعوى غير مقبولة.
أمّا دعوى أنّ هذا هو الظاهر من الآيات، بحيث إنّ قوله تعالى: وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ، ليس لها إطلاق يشمل محلّ الكلام، فهذا غير تامّ، بل ظاهرها تأسيس قانون كلّيّ، و هو عدم جواز التعويل إلّا على العلم في الدين، سواء في أصول أو فروعه.