بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٣٦ - الجواب السادس دفع شبهة اجتماع الضدّين أو المثلين
بالجامع بين المصلحتين، و هذا موجب لجعل الجامع بين العِدلين، و هذا معنى انقلاب الوجوب من التعيينيّ إلى التخييريّ.
و الذين استشكلوا بذلك من أنّ انحفاظ الواقع بحدّه تصويب [١] على كلّ حال، كان بإمكانهم أن يستشكلوا بمورد آخر يكون فيه التصويب أشدّ و أوضح، و ذلك كما لو فرضنا قيام الأمارة على إباحة ما هو حرام واقعاً، كالعصير العنبيّ المغليّ، فشربه المكلّف سلوكاً للأمارة، فهنا يُقال بوجود مصلحة سلوكيّة تدفع محذور الإلقاء في المفسدة.
و ذلك إمّا بأن تكون المصلحة استيفائيّة، بمعنى: أنّها توجب عدم المفسدة رأساً، بحيث إنّ هذه الحصّة من شرب العصير لا يبقى فيها مفسدة؛ لأنّ المصلحة السلوكيّة تُعدم المفسدة فيها، و هذا معنى الاستيفاء.
و إمّا بنحوٍ تداركيّ، بمعنى: أنّ المفسدة موجودة، لكن في مقابلها مصلحة مضادّة مزاحمة مساوية لها بحيث إنّه بعد الكسر و الانكسار يتبيّن أنّه لا خسارة و لا خسران، و في كلتا الحالتين، يلزم أن لا تبقى الحرمة على هذه الحصّة؛ لأنّ هذه الحصّة بلا ملاكٍ للحرمة، إمّا لأنّه لا مفسدة أصلًا على تقدير كونها استيفائيّة، و إمّا لأنّها مبتلاة بمزاحم من حيث المصلحة، إذن، فكذلك بالكسر و الانكسار لا موجب لتحريمها، إذن، تسقط الحرمة رأساً، و هذا تصويب أشدّ ممّا ذكروه.
و الحاصل هو أنّهم يمكنهم الاعتراض على السلوكيّة بما يكون أوضح و أشدّ تصويباً، و ذلك كما لو قامت الأمارة على إباحة محرّم واقعاً، فهنا: فوات المفسدة الواقعيّة، لتداركها بمصلحة سلوك الأمارة،
[١] () الدراسات، المصدر السابق.