بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٢٩ - الجواب السادس دفع شبهة اجتماع الضدّين أو المثلين
أمّا السببيّة الأشعريّة، فقد أرادوا بها أن يكون الحكم الواقعيّ تابعاً لقيام الأمارة عليه نفياً و إثباتاً، فيكون قيام الأمارة على الحكم موجباً لثبوت ذلك الحكم نفياً و إثباتاً.
و هذا الكلام في السببيّة الأشعريّة له معنيان:
المعنى الأوّل: هو أنّ نفرض أنّ الله تعالى لم يجعل أحكاماً واقعيّة بقطع النظر عن الأمارات، و إنّما جعل أحكاماً على طبق الأمارات، و قال: إنّ كلّ ما أدّت إليه الأمارة فهو حكمي، فإذا أدّت الأمارة إلى شيء فهي تستتبع حكماً، فيقطع بالحكم وجداناً، و إلّا، فلا حكم، فيقطع بعدمه وجداناً.
و هذا المعنى مستحيل في نفسه؛ إذ لا يُعقل حينئذٍ فرض الأماريّة و الكاشفيّة عن الحكم؛ لأنّ لا يبقى أيّ معنىً لقيام الأمارة، فإنّ فرض قيام الأمارة هذه هو فرض وجود شيء في المرتبة السابقة تكشف عنه الأمارة.
المعنى الثاني: لهذه السببيّة هو أن يكون للمولى أحكام واقعيّة، إلّا أنّ هذه الأحكام أُخذ قيام الأمارة عليها قيداً في موضوعها، كما لو كان حكم المولى المحفوظ في صلاة الجمعة هو الوجوب، فإذا قامت الأمارة على ذلك الحكم الواقعيّ، فحينئذٍ: يتحقّق موضوعه و يصبح فعليّاً، و إلّا، إذا قامت الأمارة على حكم آخر، إذن، ذاك الحكم الواقعيّ ليس فعليّاً، إلّا أنّ الحكم الذي قامت عليه الأمارة فهو أيضاً ليس حكماً واقعيّاً.
و إن شئت قلت: إنّه إذا لم تؤدِّ الأمارة إلى الحكم الواقعيّ المقيّد بها، فلا حكم حينئذٍ، و ذلك لأنّ الحكم الواقعيّ المجعول لم يحصل قيده الذي هو الأمارة، و أمّا الحكم الآخر الذي قامت عليه الأمارة فهو ليس حكماً؛ لأنّه غير مجعول، و حينئذٍ: لا تكون الجمعة