بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٢٥ - الجواب السادس دفع شبهة اجتماع الضدّين أو المثلين
المفاسد، إلّا أنّ ذلك كلّه من أجل التحفّظ على أقوى المتزاحمين، فهو تضييع للأضعف في مقام التحفّظ على الأقوى ملاكاً، و هذا ممّا لا يأباه العقل العمليّ و لا النظريّ، فإنّه بمقتضى حكمة الحكيم أن يقدّم أقوى المتزاحمين على أضعفهما، و حينئذٍ: لا قبح في إلقاء المكلّف في المفسدة، و تفويت بعض المصالح تحفّظاً على ما هو أقوى.
إذن، ففي مقام دفع هذا المحذور لا نحتاج إلى افتراض أيّ ملاكٍ للحكم الظاهريّ وراء الملاكات الواقعيّة، و إنّما نفس الملاكات الواقعيّة هي تُجيب عن هذا و تقول: إنّ الإلقاء في المفسدة إنّما كان لأجل التحفّظ على أقوى الملاكين، فلا نحتاج في تخريج ذلك لافتراض أيّ شيءٍ غير الملاكات الواقعيّة.
إلّا أنّ الأصحاب حيث يئسوا من إمكان تصوير هذا الحكم الظاهريّ و دفع الشبهة بلحاظ نفس الملاكات و المبادئ الواقعيّة، حينئذٍ: صاروا في مقام الجواب على هذه الشبهة، ملتزمين بوجود مصلحة يُتدارك بها هذا التفويت الذي هو المحذور المتقدّم كما عرفته.
و هذا الالتزام له في كلماتهم بيانان:
البيان الأوّل: هو الالتزام بوجود مصلحة في نفس التعبّد بهذه الحجّة المخالفة للواقع، و التي أوجبت فوات مصلحة الواقع.
فمثلًا: لو فرض أنّ الدعاء عند رؤية الهلال كان واجباً في الواقع، و قامت الحجّة على عدم وجوبه، إذن، فهذه الحجّة قد فوّتت تلك المصلحة الموجودة في الحكم الواقعيّ.
و حينئذٍ: أجابوا على هذا المحذور فقالوا: إنّ التعبّد بهذه الحجّة يكون واجداً لمصلحةٍ يندفع بها محذور التفويت، و ذلك ببيان: أنّ تفويت المصلحة، و إن كان قبيحاً بحكم العقل العمليّ، إلّا أنّ قبحه ليس