بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٢٤ - الجواب السادس دفع شبهة اجتماع الضدّين أو المثلين
هذا كلّه حال إشكالات العقل النظريّ في الجمع بين الأحكام الواقعيّة و الظاهريّة، حيث كان يُدّعى أنّ العقل النظريّ يحكم باستحالة الجمع بين الحكم الواقعيّ و الظاهريّ، إمّا لمحذور اجتماع الضدّين، أو لمحذور اجتماع المثلين، أو لمحذور نقض الغرض.
و أمّا الإشكال بلحاظ العقل العمليّ، أي: أنّ الجمع بين الحكم الواقعيّ و الظاهريّ يستلزم ارتكاب القبيح بحكم العقل العمليّ.
و هذا هو الإشكال القائل بأنّ التعبّد بهذه الأمارات و الأصول المخالفة للواقع يلزم منه تفويت المصلحة و الإلقاء في المفسدة.
فلو فرضنا أنّ الدعاء كان واجباً في الواقع، و قد دلّت الأمارة على عدم وجوبه، فالتعبّد بهذه الحجّة يؤدّي إلى تفويت تلك المصلحة على العبد، و كذلك الحال في جانب الحرام الواقعيّ، و تفويت هذه المصالح و الإلقاء في المفاسد ليس من المستحيل صدورها من فاعلها، لكنّه قبيح بحكم العقل العمليّ، و في طول هذا القبح يُصبح مستحيلًا على من يمتنع صدور القبيح منه، كالشارع المقدّس.
و قد كانت طريقتنا في كيفيّة الجمع بين الحكم الواقعيّ و الظاهريّ على نحوٍ بحيث لا ترد تلك المحاذير، كما أنّها وافية لدفع إشكالات العقل العمليّ.
فإنّنا إذا التفتنا إلى أنّ الأحكام الظاهريّة هي نتائج لوقوع نحوٍ من التزاحم بين المبادئ و الملاكات الواقعيّة، مع أنّ المبادئ ليست واقعةً في موضوع واحد، و لكن مع هذا، يقع بينها التزاحم الحفظيّ، بمعنى: أنّه في مورد الاختلاط و الاشتباه يتزاحمان حفظاً، و حينئذٍ: فكلّ حكم ظاهريّ بحسب الحقيقة هو عبارة عن تحفّظٍ على أقوى المتزاحمين، و هذا التزاحم الحفظيّ، و هذا الخطاب، و إن كان قد يفوّت على المكلّف جملةً من المصالح، و يوقعه في جملةٍ من