بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٠٩ - الجواب السادس دفع شبهة اجتماع الضدّين أو المثلين
و الحاصل: هو أنّ العرض بحسب الخارج، و إن كان دائماً متأخّراً عن معروضه رتبةً، إلّا أنّه بحسب عالم الذهن يمكن أن يلحظ العنوان الأوّل، و هو عنوان الخمر بأحد لحاظين، فيلحظه أوّلًا في المرتبة السابقة على عَرَضه، ثمّ يقيّده بعَرَضه، فيكون الخمر هنا ملحوظاً مطابقاً لنفس الأمر و الواقع، ثمّ إنّ الذهن باعتبار قدرته على الرجوع لما لاحظه أوّلًا، يمكنه أن يلحظ الخمر بعد اتّصافه بهذه الصفة، أي: يلحظه مرّةً أُخرى في طول تقيّده بصفته، و هذا شيء من شأن الذهن فقط، لما عرفت من قدرته على الرجوع ثانيةً إلى ما لاحظه أوّلًا، حيث تكون الذات ثانيةً متأخّرةً عن الذات الملحوظة باللّحاظ الأوّل، و بهذا يكون هناك ذاتان ملحوظتان للذهن بحسب النظر التصوّريّ.
النكتة الثانية: هي أنّ الحكم إذا كان متعلّقاً بالموصوف على وجه التقييد، يعني: أنّ الموصوف لوحظ مقيّداً بالصفة، ثمّ جُعل عليه الحكم، فهنا لا يوجد إلّا لحاظ الذات في المرتبة الأُولى؛ لأنّ الذهن لم يرجع مرّةً أُخرى إلى الذات بعد الاتّصاف، فإذا قيل: الخمر المشكوك حرام، فهنا انصبّ اللّحاظ على ذات الخمر بالمرتبة الأُولى، لكنّ مقيّداً بصفته، و ليس اللّحاظ هنا شاملًا لما بعد الصفة؛ لأنّ الذهن لم يرجع مرّةً أُخرى إلى الخمر ليلحظه بعد الصفة.
و أمّا إذا كانت القضيّة شرطيّةً، فقال: إذا كان الخمر مشكوكاً فالخمر حرام، ففي مثله: القضيّة الشرطيّة معناها: أنّه قد فرض الفراغ عن وجود الشرط، و هو الصفة، أي: مشكوكيّة الخمر، و بعد الفراغ عنه جاء الذهن ليحكم على الخمر بأنّه حرام، إذن، فالذهن هنا سوف يلحظ الخمر في طول صفته، لا في المرتبة السابقة على الصفة؛ لأنّه سوف يجعل الحكم على الخمر بعد الفراغ عن صفته، و هي الشرط؛ لأنّ الشرطيّة يثبت جزاؤها بعد الفراغ عن افتراض شرطها.