إعراب القرآن - الزجاج - الصفحة ٩٨ - الباب الثالث
الماضي، و كأن المعنى: كم من قرية قاربت الهلاك فجاءها البأس ليلا أو نهارا فأهلكناها، خبر على هذا. و قوله (فَجََاءَهََا) معطوف. فإن جعلت (أَهْلَكْنََاهََا) صفة للقرية و لم تجعله خبرا، فـ «كم» فى المعنى هى القرية. فإذا وصفت القرية فكأنك قد وصفت «كم» إذ كان «كم» فى المعنى هو القرية.
و يدلك على ذلك قوله تعالى: (وَ كَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي اَلسَّمََاوََاتِ لاََ تُغْنِي شَفََاعَتُهُمْ شَيْئاً) [١] فعاد الذكر على «كم» على المعنى، إذ كانت الملائكة فى المعنى.
و على هذا قال: (أَوْ هُمْ قََائِلُونَ) [٢] فيعاد مرّة الذكر على لفظ القرية، و مرة على معناها، فيكون دخول الفاء فى قوله: (فَجََاءَهََا بَأْسُنََا) [٣] على حد: كل رجل جاءنى فله درهم؛ فيكون المعنى: كم من قرية جاءها الهلاك فقاربت البأس، فكان سبب الإهلاك/مجىء البأس، لأن الإهلاك إنما يكون عما يستحق له الإهلاك، فكأنها استحقت الإهلاك فجاءها البأس، فصار نزول البأس استحقاق ذلك. فإذا سلكت فيه هذا المسلك لم يجز فى موضع (كَمْ) النصب [٤] لأن من قال: زيدا ضربته، لا يقول: أزيدا أنت رجل تضربه؛ إذا جعلت تضربه صفة للرجل. و كذلك (أَهْلَكْنََاهََا) إذا جعلتها صفة و لم تجعلها خبرا. و يكون قوله (فَجََاءَهََا) فى موضع الخبر، كما أن قوله فله درهم، من قولك: كل رجل يأتينى فله درهم، فى موضع الخبر.
و يجوز أيضا أن تكون الفاء عاطفة جملة على جملة، على تقدير: جاءها البأس قبل الإهلاك؛ لأن المعنى يدل على أن البأس مجئ الإهلاك، فصار (فَجََاءَهََا بَأْسُنََا) كالتبيين للإهلاك لهم، و التعريف لوقته.
[١] النجم: ٢٦.
(٢-٣) الأعراف: ٤.
[٤] في الأصل «لأن إن» . و فيها زيادة من الناسخ.