إعراب القرآن - الزجاج - الصفحة ١٠٠ - الباب الثالث
و الآخر: /أن المعنى: فمن يعمل فى الدنيا. و يكون كون الفاء بعد ذكر ما ذكر فى الآخرة على معنى: أن ما يكونه اللّه فى الآخرة من الشدائد التي ذكرها توجب أنه من عمل فى الدنيا خيرا أو شرّا يره، كما يقول القائل: الآخرة دار المجازاة فمن يعمل خيرا يره. و لم يرد خيرا مستأنفا دون ما عمله العاملون.
و قد يكون ذلك أيضا على مذهب الإرادة، فيكون التقدير: و كم من قرية أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا كما قال اللّه تعالى (إِذََا قُمْتُمْ إِلَى اَلصَّلاََةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) [١] و القيام بعد غسل الوجه. و المعنى: إذا أردتم القيام إلى الصلاة.
قال الفرّاء: ربما أتى ما بعد الفاء سابقا إذا كان فى الكلام دليل السّبق.
فإذا عدم الدليل لم يجز. و ذكر قول اللّه تعالى: (وَ كَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنََاهََا فَجََاءَهََا بَأْسُنََا) [٢] فذكر عن قوم قالوا: البأس قبل الإهلاك، كما تأولوا فى «ثمّ» مثل هذا فى قوله تعالى: (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وََاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهََا زَوْجَهََا) [٣] [أي]ثم خلقكم منها. و قيل: معناها: خلقكم من نفس وحدها ثمّ جعل الزوج منها بعد التوحيد، فأفادت واحدة هذا المعنى.
قال: و الأجود فى قوله تعالى: (وَ لَقَدْ خَلَقْنََاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنََاكُمْ ثُمَّ قُلْنََا لِلْمَلاََئِكَةِ) [٤] أن يريد: و لقد خلقنا أصلكم الذي هو آدم، كما قال:
(هُوَ اَلَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضىََ أَجَلاً) [٥] ، معناه: خلق أصلكم، الذي هو آدم، من طين.
[١] المائدة: ٧.
[٢] الأعراف: ٤.
[٣] الزمر: ٦.
[٤] الأعراف: ١٠.
[٥] الأنعام: ٢.