إعراب القرآن - الزجاج - الصفحة ٣٣٠ - الباب الخامس عشر
أي: خلقه من النطفة ثم قدّره، أي: جعله قادرا على الطاعة و العصيان، ثم سهل عليه السبيل، بأن بيّنه لّه، و دله عليه.
و من ذلك قوله تعالى: (سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نََاراً كُلَّمََا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنََاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهََا) [١] أي: كلما نضجت جلودهم منها؛ فحذف الجار و المجرور من الصفة إلى الموصوف.
و مثله: (جَنَّتََانِ عَنْ يَمِينٍ وَ شِمََالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَ اُشْكُرُوا لَهُ) [٢] .
قال أبو على: هذا الكلام صفة «للجنتين» المقدّم ذكرهما، فإذا كان كذلك فالراجع فيه مقدّر محذوف.
التقدير: قيل لهم: كلوا من رزق ربكم منهما، و القول مراد فيه محذوف، و هذا مما يدل على أن الحذف من الصفة كالحذف من الصلة.
و فى الكتاب: يقول: إنه فى الصلة أكثر، ألا ترى أنه قال: و إنما شبّهوه-يعنى حذف الهاء من الخبر-بقولهم: الذي رأيت فلان، حيث لم يذكر الهاء.
و هو فى هذا أحسن، لأن «رأيت» تمام الاسم و به يتم، و ليس بخبر، و لا صفة، فكرهوا طوله حيث كان بمنزلة اسم واحد، كما كرهوا طول «اشهيباب» فقالوا: «اشهباب [٣] » و هو فى الوصف أمثل منه فى الخبر.
[١] النساء: ٥٦.
[٢] سبأ: ١٥.
[٣] الاشهباب و الاشهيباب: البياض الذي غلب على السواد.