إعراب القرآن - الزجاج - الصفحة ٩٧ - الباب الثالث
و أما قوله تعالى: (وَ كَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنََاهََا فَجََاءَهََا بَأْسُنََا) [١] فلا يخلو «أهلكناها» من أن يكون خبرا أو صفة؛ فالذى يقوّى الخبر قوله تعالى/:
(وَ كَمْ أَهْلَكْنََا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهََا) [٢] . و قوله تعالى: (وَ كَمْ أَهْلَكْنََا مِنَ اَلْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ) [٣] . فكما أن «كم» فى هذه المواضع محمولة على «أهلكنا» كذلك إذا شغل عنها الفعل بالضمير ترتفع بالابتداء، مثل زيدا ضربت، و زيد ضربته. و من قال: زيدا ضربته، كان قوله تعالى:
(وَ كَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنََاهََا) «كم» فى موضع النصب.
فإن قلت: فما وجه دخول الفاء فى قوله (فَجََاءَهََا بَأْسُنََا) و البأس لا يأتى المهلكين، إنما يجيئهم البأس قبل الإهلاك، و من مجىء البأس يكون الإهلاك، فإنه يكون المعنى فى قوله (أَهْلَكْنََاهََا) قربت من الهلاك و لم تهلك بعد، و لكن لقربها من الهلاك و دنوها وقع عليها لفظ الماضي، لمقاربتها له و إحانته إياها. و نظير هذا قولهم: قد قامت الصلاة، إذا كان المقيم مفردا، و إن لم تقع التحريمة بها، للقرب من التحريمة بها. و منه قول رؤبة:
يا حكم الوارث عن عبد الملك # أوديت إن لم تحب حبو المعتنك [٤]
فأوقع لفظ الماضي على الهلاك لمقاربته منه، و مراده الآتي. ألا ترى أنك لا تقول: أتيتك إن قمت؛ و إنما تقول: آتيك إن قمت. فمن حيث كان معناه الآتي، قال: إن لم تحب، و من حيث قارب ذاك أوقع عليه لفظ
[١] الأعراف: ٣.
[٢] القصص: ٥٨.
[٣] الإسراء: ١٧.
[٤] اعتنك البعير: حبا في العانك فلم يقدر على السير. و العانك: الرمل إذا تعقد و ارتفع. يقول:
هلكت إن لم تحمل حمالتي بجهد.