الشيعة في مسارهم التاريخي - الأمين، السيد محسن - الصفحة ٣٦٨ - ما انفردت به الشيعة الإمامية عن الأشاعرة في أصول العقائد
و سبب ذلك ما رووه عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إنه قال: القرآن كلام اللّه تعالى غير مخلوق و من قال إنه مخلوق فقد كفر باللّه العظيم، و في صحة هذا الحديث نظر ظاهر فإن مسألة قدم القرآن من دقائق المسائل الكلامية صعب على فحول العلماء تصورها فضلا عن إثباتها، فإن وجود شيء يسمّى الكلام خارج عن الألفاظ و العبارات و العلم و الإرادة ليس بمتصور كما مرّ في الأمر الثاني، و لذلك اختلفت فيه الأنظار و الآراء حتى زعم الحنابلة قدم الأصوات و الحروف، و الأشعري جواز سماع الكلام القديم، و منعه الاسفرايني و أبو منصور.
و أنكر الشيعة و المعتزلة الكلام النفسي و فيهم فحول العلماء، و قال به الأشاعرة على كثرتهم و كثرة العلماء فيهم، فمثل هذه المسألة هل يمكن أن يكون الإذعان و التصديق بها من شرائط الإسلام و الإيمان أو أركانه، و يكلّف بذلك الأعراب و العوام بحيث يكفّر منكرها مع كون جلّ من يقول بها لا يخرج عن التقليد، إن هذا مناف للعقل و العدل.
الرابع: إنه تعالى منزّه عن المكان و الجهة لأنهما من لوازم الجسمية المقتضية للحدوث، و يحكى عن الكرامية إنه من جهة الفوق.
الخامس: إنه تعالى يستحيل عليه الرؤية بالبصر في الدنيا و الآخرة، و وافقهم على ذلك المعتزلة لأن الرؤية تستلزم الكمّ و الكيف من الطول و القصر و اللّون و غيرها، و الوجود في جهة دون جهة و كلّ ذلك من لوازم الحدوث، و قالت الأشاعرة: إنّ رؤيته تعالى بالبصر جائزة في العقل ممكنة في الدنيا و الآخرة واجبة بالنقل في الآخرة، فيرى بلا كيف لا في مكان و لا على جهة مقابلة و لا اتصال شعاع و لا ثبوت مسافة بين الرائي و بينه تعالى، و بعضهم يقول إن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم رآه ليلة المعراج، قال شاعرهم:
و قد رأى اللّه بعيني رأسه # في ليلة المعراج لمّا صعدا
فقال بعض المعتزلة:
لجماعة سمّوا هواهم سنّة # و جماعة حمر لعمري مؤكفه