الشيعة في مسارهم التاريخي - الأمين، السيد محسن - الصفحة ٣٩٥ - مذهبهم في الصحابة
القرن الّذي جاء بعده بخمسين سنة شرّ قرون الدنيا قتل فيه الحسين، و أوقع بالمدينة، و حوصرت مكة، و نقضت الكعبة، و شرب خلفاؤه الخمور، و ارتكبوا الفجور، كما جرى ليزيد بن معاوية، و يزيد بن عاتكة، و الوليد بن يزيد، و أريقت الدماء الحرام، و قتل المسلمون، و سبي الحريم، و استعبد أبناء المهاجرين و الأنصار و نقش على أيديهم كما ينقش على أيدي الروم و ذلك في خلافة عبد الملك و إمرة الحجّاج، و إذا تأملت كتب التواريخ وجدت الخمسين الثانية شرّا كلّها لا خير فيها و لا في رؤوسها و أمرائها و الناس برؤسائهم و أمرائهم و القرن خمسون سنة فكيف يصح هذا الخبر، و إنما هذا و أمثاله من موضوعات متعصبة الأموية فإن لهم من ينصرهم بلسانه و بوضعه الأحاديث إذا عجز عن نصرهم بالسيف.
قال: و من أنصف و تأمل أحوال الصحابة وجدهم مثلنا يجوز عليهم ما يجوز علينا و لا فرق بيننا و بينهم إلاّ بالصحبة لا غير فإن لها منزلة و شرفا، و لكن لا إلى حدّ يمتنع على كلّ من رأى الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أو صحبه يوما أو شهرا أو أكثر من ذلك أن لا يخطىء و لا يزلّ، و لو كان هذا صحيحا ما احتاجت عائشة إلى نزول براءتها من السّماء بل كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من أول يوم يعلم كذب أهل الإفك لأنها زوجته و صحبتها له آكد من صحبة غيرها، و صفوان بن المعطل -الّذي رمى أهل الإفك به عائشة-من الصحابة أيضا فكان ينبغي أن لا يضيق صدر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و لا يحمل ذلك الهمّ و الغمّ الشديدين و يقول صفوان من الصحابة و عائشة من الصحابة و المعصية عليهما ممتنعة، و أمثال هذا كثير و أكثر من الكثير لمن أراد أن يستقرىء أحوال القوم.
و قد كان التابعون يسلكون في الصحابة هذا المسلك و يقولون في العصاة منهم مثل هذا القول و إنما اتخذهم العامة أربابا بعد ذلك، قال: و من أحبّ أن ينظر اختلاف الصحابة و ما طعن به بعضهم في بعض ورد بعضهم على بعض و ما ردّ به التابعون عليهم و إختلاف التابعين فيما بينهم و قدح بعضهم في بعض فلينظر في كتاب النظام، و ذكر الجاحظ في كتابه المعروف بكتاب التوحيد: إن أبا هريرة ليس بثقة في الرواية عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: و لم يكن عليّ يوثقه بل يتهمه و يقدح فيه و كذلك عمر و عائشة. غ