الشيعة في مسارهم التاريخي - الأمين، السيد محسن - الصفحة ٣٣٤ - و مصحف فاطمة عليهم السّلام
و أما في عصر الصادق فكان ذلك العصر آخر دولة بني أمية في حين ضعفها و أول دولة بني العباس التي هي دولة هاشمية، فتمكن من نشر علومه لا سيّما إنه لم يظهر منه تعرض لطلب ملك أو معارضة أحد في ملكه، و كان الأمر أخفّ وطأة في دولة السّفاح و شيء من دولة المنصور.
ثم رام المنصور أن يناله بأذى لمّا رأى ميل الناس إليه و ظهور فضله في الكافة مع الوشاية عليه، فطلبه مرارا إلى بغداد و رام إيقاع مكروه به فدفعه اللّه عنه، و قال له المنصور يوما و قد آذاه الذباب: لم خلق اللّه الذباب يا أبا عبد اللّه؟ قال: ليذلّ به الجبابرة، فسكت المنصور.
و بالجملة: كان عصره أقل عصور أهل بيته خوفا، فكثرت الرواة و المصنّفون في الحديث من الشيعة في زمانه أكثر من زمان أبيه، و لم يرو عن أحد من أهل بيته ما روي عنه حتى قال الحسن بن علي الوشا من أصحاب الرضا عليه السّلام: أدركت في هذا المسجد-يعني مسجد الكوفة-تسعمائة شيخ كلّ يقول: حدّثني جعفر بن محمّد [١] .
هذا ما أدركه راو واحد في عصر متأخر و روى عنه راو واحد و هو أبان بن تغلب ثلاثين ألف حديث، و أفراد الحافظ أبو العباس أحمد بن عقدة الزيدي الكوفي كتابا فيمن روى عنه عليه السّلام جمع فيه أربعة آلاف إنسان، و ذكر مصنفاتهم و لم يذكر جميع من روى عنه و يدلّ كلام المفيد في الإرشاد [٢] على أن هذه أسماء الثقات منهم خاصة حيث قال عند ذكر الصادق عليه السّلام:
و نقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان و انتشر ذكره في البلاد، و لم ينقل العلماء عن أحد من أهل بيته ما نقل عنه، فإن أصحاب الحديث نقلوا أسماء الرواة عنه الثّقات على اختلافهم في الآراء و المقالات، فكانوا أربعة آلاف رجل.
و أحصاهم الشيخ أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي أربعة آلاف في باب
[١] رجال النجاشي: ١/١٣٨-١٣٩، و في هذه الصفحات تجد ترجمته.
[٢] الإرشاد، الشيخ المفيد: ٢/١٧٩ و ما بعدها.
غ