الشيعة في مسارهم التاريخي - الأمين، السيد محسن - الصفحة ٣٣٢ - و مصحف فاطمة عليهم السّلام
و كانت مدرسته بالمدينة في داره و في المسجد يأتيه فقهاء الحجاز و علماؤه، فيأخذون عنه و يدونون ما أخذوه و يأتيه الناس من جميع الآفاق من العراق و من قم و غيرهما في موسم الحجّ، فيقيمون مدّة في المدينة و يأخذون عنه و يسألونه عمّا أشكل عليهم و إذا عادوا إلى بلادهم حدّثوا عنه بما سمعوه منه و دوّنوه، و كانوا في بحر السنّة يحفظون ما أشكل عليهم، فإذا وردوا المدينة سألوه عمّا حفظوه من المسائل و من لم يحج أوصى من يحج أن يسأل له عما أشكل عليه.
و كان علماء الصحابة يستفتونه و يرجعون إليه، أخرج أبو نعيم [١] في الحلية: أن رجلا سأل ابن عمر عن مسألة فلم يدر ما يجيبه، فقال: اذهب إلى ذلك الغلام-و أشار إلى الباقر-فسله و أعلمني بما يجيبك، فسأله و أجابه فأخبر ابن عمر، فقال: إنهم أهل بيت مفهمون.
و أخرج أبو نعيم في الحلية [٢] أيضا عن مالك بن عطاء المكي: ما رأيت العلماء عند أحد قط أصغر منهم عند أبي جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين، و لقد رأيت الحكم بن عتيبة مع جلالته في القوم-و كان عالما نبيلا جليلا في زمانه-بين يديه كأنه صبي بين يدي معلمه، و في رواية كأنه عصفور مغلوب.
و قد قال عنه أبو زرعة الرازي-من أعاظم علماء السنّة-: لعمري إن أبا جعفر لمن أكبر العلماء و إنهم أهل الذكر، و قال محمد بن مسلم الثقفي الطائفي:
سألته عن ثلاثين ألف حديث، حكاه ابن شهراشوب [٣] في المناقب.
و قال جابر الجعفي: حدّثني أبو جعفر سبعين ألف حديث، رواه المفيد في الاختصاص [٤] ، بسنده عن جابر و قد رجع إلى قوله ابن أبي ليلى القاضي لما اختصم إليه في الجارية التي ليس على ركبها شعر بأن ذلك عيب لأن العيب كلّما زاد في الخلقة أو نقص، و هو الّذي أشار على عبد الملك بن مروان بضرب
[١] حلية الأولياء، لأبي نعيم: ٣/١٩٨.
[٢] م. ن: ٣/١٩٠.
[٣] المناقب، ابن شهراشوب: ٤/٢٢٨.
[٤] الاختصاص، المفيد: ١٧١.