الشيعة في مسارهم التاريخي - الأمين، السيد محسن - الصفحة ٢٠٣ - كلام أحمد أمين في ضحى الإسلام في حقّ الشيعة
ففيه أنه لم يقبل التحكيم و إنما أكره عليه و هذا من بديهيهات التاريخ، و أمر التحكيم لم يكن محتاجا إلى عصمة أو علم ببواطن الأمور بل كان ظاهرا لكلّ فطن أنه حيلة و خديعة، و لم يكن ليخفى على مثل أمير المؤمنين سواء أكان معصوما أم لا و إنما اغتر به أهل الجباه السّود، و ساعد عليه الأشعث عن علم بحاله و تبعته عشيرته و لم يبق ممن لم يغتر به و لم يساعد عليه نفاقا أو كراهة للحرب إلاّ القليل، و أما قوله: و لدبر الحروب خيرا مما دبر، فتدبيره للحروب لم يكن فوقه تدبير، و النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الّذي لا شك في عصمته قد هزم جيشه يوم أحد و لم يكن ذلك لقلّة تدبير منه.
قال [١] : الحق أنّ هذه أوهام جرّت على الناس البلاء و جعلتهم يذلون و يخضعون خضوعا مطلقا للظلم و الفساد، و يرضون به و لا يرفعون صوتهم بالنقد بل و لا يقومون بأضعف الإيمان و هو الاستنكار بالقلب.
و نقول: بل الحق أن الأوهام التي جرّت البلاء... إلى آخر ما ذكره: هي القول بعدالة ما يزيد عن مائة ألف و تقديسهم لأنهم سمّوا صحابة و قبول حديثهم جميعا، فإذا وصل السند إليهم لم يبحث إلاّ فيمن قبلهم، و عدم جواز نقدهم و لا التكلم فيما شجر بينهم، هذا هو الّذي جرّ على الناس البلاء و جعلهم يذلّون و يخضعون خضوعا مطلقا للظلم و الفساد، و يرضون به و لا يرفعون صوتهم بالنقد و لا يستنكرون بالقلب.
قال [٢] : و هذا النظر الشيعي إلى الإمام يلقي على تاريخ الفاطميّين و على كلّ الدول الشيعية ضوءا قويا فتعرف السرّ لم كان يخضع الناس للخلفاء و كيف ينظرون إليهم نظر تقديس، و كيف كانت تقابل أعمالهم مهما جارت و ظلمت بالقبول و الإستحسان، و استشهد لذلك بأبيات من شعر ابن هانىء الأندلسي [٣] في المعزّ.
[١] م. ن: ٣/٢٢٣.
[٢] م. ن: ٣/٢٢٣.
[٣] محمد بن هاني الأزدي المهلبي الأندلسي، ابن هاني، من ذرية المهلب بن أبي صفرة القائد المعروف، شاعر معروف، ولد بإشبيلية، اتصل بالمعزّ العبيدي فمدحه، له ديوان كبير، مات سنة:
(٣٦٢ هـ) ظ: معجم الأدباء: ١٩/٩٢، وفيات الأعيان: ٤/٤٢١، شذرات الذهب: ٣/٤١.