الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٨٥ - مع هشام في تهمته
و كان للمعتزلة نشاط في الحركة الكلامية، فقد كانوا يبحثون عن أهم المسائل و يصطدمون مع خصومهم.
إلى جانب ذلك نراهم قد تعرّضوا لمسائل تكاد تكون سوفسطائية مثل: الإله قادر على الظلم أو لا؟ هل الجنّة مخلوقة اليوم أو لا؟ هل قدرة اللّه تتعلّق بالمحال أو لا؟ هل الكافر قادر على الإيمان و المؤمن قادر على الكفر؟ إلى كثير من أمثال ذلك.
مع اختلافهم في الإمامة و السياسة، و كل هذه الآراء تكوّن جوا مضطربا و نزاعا علميا، و قد حصل ذلك في عصرهم و بعد عصرهم.
و كان هشام بن الحكم شديد الخصومة لهم، قوي الحجة عليهم، واسع الفكر.
و له شهرة في علم الكلام، لذلك ترأس مجلس المناظرة في بغداد، و كان يقصد حلقات العلم فيمتحن رؤساءها بما يفحمهم فيه، فكان انتصاره عليهم سببا لاتهامه بما لا يليق بشأنه، و لا صلة له بالواقع. و كان الجاحظ من أشد الناس عداء لهشام، فنسب إليه تلك المفتريات هو و النظام إبراهيم بن سيار، و جاء ابن قتيبة في (مختلف الحديث) فأرسلها إرسال المسلّمات، و كذلك الخياط المعتزلي كما جاء في كتاب «الانتصار».
و ليس من العسير علينا أن نستشف بواعث تلك الاتهامات الموجهة لهشام من قبل خصومه مع براءته من ذلك. و لا يصح لنا أن ننساق مع المندفعين بتيار الهوى و الخاضعين للعاطفة، الذين اتهموه بتلك التهم الشنيعة بدون التفات إلى الواقع، أو استناد إلى مصدر وثيق، و إنما كانت بدافع الانتقام منه و الحقد عليه لكونه يغلب خصمه بمنطقه و يقطعه ببراهينه.
كما كان الحكم على هشام بتلك التهم صادرا عن طائفية بغيضة رغبة في تشويه الحقيقة، أو اقتناع بما دبّرته عوامل عصر هشام، من الاعتداء على المفكّرين من رجال الأمة، و تطبيقه بوسائل عنيفة وحشية. و لم يخف على المتتبعين ما أحدثه ذلك التطور الفكري، من وجود خلافات مذهبية و فوارق طائفية أدت إلى خصومة عنيفة، خرجت عن حدود العلم و المنطق الصحيح، بل عن حدود العقل و الاتزان. و كان الموقف السياسي يؤثّر في كفة الخلاف، و يؤيد حركة النزاع الطائفي من وراء الستار لغاية التفريق، و الوصول لأمور لا تحصل إلّا بذلك، طبقا لقاعدة (فرّق تسد) و هي خطة سلكها الأمويون و اتبعهم العباسيون، فصارت مركبا لحكام الاستبداد و أمراء الجور.