الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١٤٢ - التطرّف بالتزام المذهب
و بقوا ينظرون إليّ كالمتعجب- يعني كيف يمكن العمل بظواهر هذه الآيات مع أن الرواية عن سلفنا وردت على خلافها؟ و لو تأملت حق التأمّل وجدت هذا الداء ساريا في عروق الأكثرين من أهل الدنيا.
قال أبو شامة [١]: و كانت تلك الأزمنة مملوءة بالمجتهدين، فكل صنف على ما رأى، و تعقب بعضهم بعضا مستمدّين من الأصلين: الكتاب و السنّة، و ترجيح الراجح أقوال السلف المختلفة بغير هدى، و لم يزل الأمر على ما وصفت، إلى أن استقرت المذاهب المدونة، ثم اشتهرت المذاهب الأربعة و هجر غيرها، فقصرت همم اتباعهم إلّا قليلا منهم، فقلدوا بعد ما كان التقليد حراما لغير الرسل، بل صارت أقوال أئمتهم بمنزلة الأصلين- الكتاب و السنّة- و ذلك معنى قوله تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَ رُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فعدم المجتهدون و غلب المتقلدون، و كثر التعصّب و كفروا بالرّسول حيث قال: «يبعث اللّه في كل مائة سنة من ينفي تحريف الغالين و انتحال المبطلين» و حجروا على رب العالمين، مثل اليهود، أن لا يبعث بعد أئمتهم وليا مجتهدا، حتى آل بهم التعصب إلى أن أحدهم إذا أورد عليه شيء من الكتاب و السنّة على خلافه يجتهد في دفعه بكل سبيل من التأويلات البعيدة نصرة لمذهبه و لقوله .. إلخ [٢].
و هنا يستوقفني الفكر طويلا عند ما أتأمل أقوال العلماء المبرزين، الذين ينتسبون لأحد المذاهب، و أنّهم كيف كانوا يتشدّدون في النهي عن التقليد و مضاره، و كيف كانوا يخالفون رئيس المذهب في اجتهادهم و أنهم لم يعرفوا عن أئمة المذاهب ما يدعيه المتأخرون عنهم من المبالغات، و ذلك التشديد في وجوب تقليد إمام بعينه.
فكم الفرق بين الفريقين؟ و إن الأمر ليبعث على الاستغراب! و إن المتتبع يقطع ببطلان ما يذهب إليه المتأخّرون، و أنهم قد خالفوا أئمتهم و رؤساء مذاهبهم في اتباع تلك الأمور المبتدعة، و تعصّبهم لمذاهبهم بما لا يرضى به أولئك الأئمة الذين ادّعوا أنّهم لهم متبعون، و وصفوهم بأقصى ما يتصور من المدح و الثناء، و جعلوا تقليدهم
[١] هو شهاب الدين أبو القاسم عبد الرّحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المتولد في ٥٩٦ ه المتوفى سنة ٦٦٥ ه.
[٢] مختصر المؤمل للرد إلى الأمر الأول ص ١٤- ١٥.