الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١٧٥ - طلبه العلم في المدينة
اتصل بعد ذلك بمالك بن أنس، و رحل إلى المدينة لتعلم الفقه و الحديث، و واصل دراسته، فكانت له تلك الشهرة بعد مدة طويلة.
قال ابن حجر: انتهت رئاسة الفقه في المدينة إلى مالك، و رحل الشّافعي إليه و لازمه، و أخذ عنه، و انتهت رئاسة الفقه إلى أبي حنيفة، فأخذ عن صاحبه محمّد حملا ليس فيها شيء إلّا و قد سمعه عليه، فاجتمع له علم أهل الرأي و علم أهل الحديث.
و كان محمّد يواسيه بالبر و يتعاهده بالأعطيات بخمسين دينارا فما فوقها بين حين و آخر، و بمحمّد اكتمل بدر الشّافعي، و به تخرج حتى أصبح له شأن في العلم ...
طلبه العلم في المدينة:
اتجه الشّافعي لطلب الفقه، و حضر على بعض علماء مكة كخالد الزنجي و سعيد بن سالم القداح، و اشتهر مالك بن أنس في المدينة و شاع ذكره، فتاقت نفس الشّافعي إلى الهجرة للمدينة طلبا للعلم و الحضور عند مالك بن أنس، فأخذ وصية من والي مكة إلى والي المدينة يطلب منه إيصال الشّافعي إلى مالك.
قال الشّافعي: فأوصلت الكتاب إلى الوالي، فلما أن قرأه قال: يا فتى إن مشيي من جوف المدينة إلى جوف مكة حافيا راجلا أهون عليّ من المشي إلى باب مالك بن أنس، فلست أرى الذلة حتى أقف على بابه. فقلت: أصلح اللّه الأمير إن رأى يوجه إليه ليحضر. قال: هيهات ليت أني إذا ركبت أنا و من معي و أصابنا من تراب العقيق نلنا بعض حاجاتنا.
قال: فواعدته العصر و ركبنا جميعا، فو اللّه لكان كما قال. فتقدم رجل فقرع الباب فخرجت إلينا جارية سوداء فقال لها الأمير: قولي لمولاك إني بالباب. فدخلت فأبطأت، ثم خرجت فقالت: إن مولاي يقرؤك السّلام و يقول: إن كانت لك مسألة فارفعها في رقعة يخرج إليك الجواب، و إن كان للحديث فقد عرفت يوم المجلس فانصرف. فقال: قولي له إن معي كتاب والي مكة إليه في حاجة مهمة، فدخلت و خرجت و في يدها كرسي فوضعته، ثم إذا أنا بمالك قد خرج و عليه المهابة، فرفع إليه الوالي الكتاب [١].
[١] معجم الأدباء ج ١٧ ص ٢٧٥. و مناقب الفخر الرازي ص ١٠.