الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٣٠٢ - دعوة الإمام الصّادق للخلافة
و لم يجر في ميدان السياسة عند ما حاول الكثيرون إثارة حفيظته، و تحريك عواطفه نحو الثورة و إعلان الحرب على أولئك الحكام الذين استشرى داؤهم و عظم خطرهم.
و لقد أراد بعض أصحابه حمله على الخروج و إعلان الثورة لما يعرفونه من كثرة محبيه و أنصاره، و لكنهم كانوا ينظرون إلى الأمور نظرة سطحية، فتغلب عليهم سلامة الصدر، و سرعة التصديق.
دخل عليه سهل بن الحسن الخراساني فسلم عليه و قال له: يا ابن رسول اللّه لكم الرأفة و الرحمة، و أنتم أهل بيت الإمامة، ما الذي يمنعك أن يكون لك حق تقعد عنه؟! و أنت تجد من شيعتك مائة ألف يضربون بين يديك بالسيف.
و دخل عليه سدير الصيرفي، فقال: يا أبا عبد اللّه ما يسعك القعود.
فقال (عليه السلام): «و لم يا سدير؟» قال: لكثرة مواليك و شيعتك و أنصارك. فقال: «يا سدير و كم عسى أن يكونوا؟» قال: مائة ألف. فقال الصّادق (عليه السلام): «مائة ألف؟» قال: نعم [١].
فأجابه (عليه السلام) بما حاصله: أن تلك الكثرة المزعومة، و ذلك العدد الكبير لا يوجد فيهم من الرجال المخلصين الذين تمكنت العقيدة في نفوسهم إلّا نفر قليل، فلا يمكنه أن يخوض معركة كما يريد سدير و غيره، مع عدم وجود العدة الكافية من المخلصين الذين يمكنه الركون إليهم و التعويل عليهم. فإن التسرّع في مثل تلك الظروف عديم النفع، و إن أنجع وسيلة أن يواصل دعوته لإيجاد التكامل الخلقي، و التكافل الذي يربط أجزاء المجتمع، و يصل الأفراد إلى نقطة الإدراك لكيفية الانتفاضة ضد الحكم القائم، و يحصل وعي عام من جراء أعمال ولاة الأمر، المخالفة لنظم الإسلام، فتكون الثورة للعدالة الضائعة و لتحقيق نظم الدين. و لا جدال بأن الإمام الصّادق كان يفكر و يقلب وجوه الرأي، ليجد المدخل الذي يدخل منه لإصلاح ما فسد من أمور المسلمين، و يحاول أن يسلك أقرب الطرق للوصول إلى حل تلك المشاكل، و إنقاذ المجتمع من براثن الظلم و نير الاستعباد، عند ما ولي الحكم أناس انحدروا مع شهواتهم انحدار البهائم، و تناحروا تناحر الوحوش، و تهافت الناس لاتباعهم كتهافت الفراش على النار، فلا يمكنه أن يخوض ذلك المعترك المضطرب
[١] الكافي ج ٢ ص ٢٤٣.