الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٢٩٣ - الدعوة العباسية
الدعوة العباسية:
أشرنا سابقا إلى سوء معاملة الأمويين، و إجحافهم بحق الرعية، و ظلمهم الذي لم يسلم منه أحد حتى الشيخ في محرابه، و الطفل في مهده، فعم الاستياء جميع الطبقات، و ساد الاضطراب جميع أنحاء المملكة، و قد وصف الشاعر الجعدي تلك الحالة السيئة بقوله:
و الناس في كربة يكاد لها* * * تنبذ أولادها حواملها
فكان الوضع السيئ يفسح المجال للثورة، و أي دعوة إلى الخلاص من تلك المحن و ويلاتها تلقى قبولا، و قد قامت الجمعيات السرية للدعوة إلى الرضا من آل محمّد، و نالت النجاح بسرعة مدهشة حتى قضي على الدولة الأموية، و قامت على أطلالها الدولة العباسية.
و إذا أردنا أن نستنطق الحوادث، و نبحث عن العوامل التي أدّت إلى نجاحهم، فإنا لم نجد لهم في أول الأمر أي نشاط يذكر، و لا يؤمل لهم النجاح بالدعوة و الفوز في ميدان الكفاح السياسي.
إذا كيف بدأت الدعوة و ما هي أسباب طمعهم بالخلافة؟ و أي أسلوب اتخذوه لجلب القلوب؟ هذه أسئلة تجيب عليها الحوادث فلنعرض ذلك بموجز من البيان.
كان محمّد بن علي بن أبي طالب المعروف بابن الحنفية [١] يعتقد بعض الناس فيه أنّه هو الإمام بعد أخيه الحسين بن علي (عليه السلام) و أنّه صاحب الدولة المبشّر بها.
فلما مات محمّد بن علي أوصى إلى ابنه أبي هاشم، و كان أبو هاشم، و اسمه عبد اللّه، من رجالات أهل البيت البارزين، فاتفق أنه قصد هشام بن عبد الملك وافدا فوصله هشام، ثم رأى من فصاحته و رئاسته ما حسده عليه، و خاف منه، فبعث إليه من سمّه في الطريق، فلما علم أبو هاشم بذلك، عدل إلى محمّد بن علي بن عبد اللّه بن العباس، فأعلمه أنه ميت، و أوصى إليه، و كان معه جماعة من أصحابه فأوصاه فيهم، و ذلك سنة ٩٩ ه.
[١] هو أبو القاسم محمّد بن علي بن أبي طالب، كان من سادات قريش و شجعانهم المشهورين و أقويائهم المعروفين، أمه خولة بنت جعفر بن قيس من بني حنيفة، روى الحديث عن أبيه علي، و خرج حديثه أصحاب الصحاح الستة، المتوفى سنة ٨٠ ه أو ٨١، و دفن بالبقيع.