الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٤٢١ - خلاصة الصراع بين دعوة الإمام الإصلاحية و دولة المنصور العباسية
المتلاحقة، لسوء سيرته التي لا تتناسب مع واقع ادعائه، و مع علمه بأن قلوب أكثر الناس مع أهل البيت، كما أزعجه موقف الإمام الصّادق و انتشار ذكره.
و يمكننا أن نعتبر ما يصدر منه من تقريب العلماء و التظاهر بالزهد، و الإصغاء للوعظ، إنما هي أساليب يستعين بها على تحقيق أهدافه، و ليجعل في شخصيته ثقة للناس الذين تخدعهم المظاهر، و تسحرهم الألفاظ، كما يحاول أن يهدم ثقة الناس بمن هو أولى به من أهل البيت.
فنراه يصغي لوعظ عمرو بن عبيد، و يبكي أمامه من خشية اللّه كأنه لم يرتكب جريمة، خشية من اللّه و خوفا من عقابه. و يحاول أن يؤثر على عمرو بن عبيد فلا يميل إلى ما يدعوه محمّد بن عبد اللّه الثائر الذي هزّت ثورته أركان سلطانه و جعلت المنصور لا يهدأ ليلا و لا نهارا. فقد بلغه أن محمّد بن عبد اللّه، النفس الزكية، كتب إلى عمرو بن عبيد- رئيس المعتزلة- يستميله، فضاق المنصور بذلك ذرعا و أرسل إلى عمرو بن عبيد، فلما وصله أكرمه و شرّفه، و قال: بلغني أن محمّد بن عبد اللّه كتب إليك كتابا، قال عمرو: قد جاءني كتاب يشبه أن يكون كتابه، فقال المنصور:
فبم أجبته؟
قال عمرو: لم أجبه إلى ما أراد. ثم قال المنصور لعمرو: عظنا يا أبا عثمان.
فقال عمرو: أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم، بسم اللّه الرحمن الرحيم، أ لم تر كيف فعل ربك بعاد، إرم ذات العماد ... إلى آخرها.
فبكى المنصور بكاء شديدا كأنه لم يسمع تلك الآيات إلّا الساعة.
ثم قال عمرو: اتق اللّه قد أعطاك الدنيا بأسرها، فافتد نفسك ببعضها، و اعلم أن الأمر الذي صار إليك إنما كان بيد غيرك ممن كان قبلك، ثم أفضى إليك. إلخ.
فعاد المنصور إلى بكائه حتى كادت نفسه تفيض [١].
هكذا أظهر المنصور نفسه أمام رجل من العلماء، و زعيم من زعماء الطوائف بمظهر السلطان الخائف من اللّه، الباكي من خشيته، لتنطبع في ذهنه صورة عن إمام المسلمين، فيبلغها أصحابه حتى تبرد عزائمهم عن مؤاخذته، و الإنكار على أعماله، و قد نجحت حيلة المنصور، فلم يلتحق عمرو بثورة النفس الزكية، كما أن المعتزلة لم
[١] حور العين لأحمد بن فارس ص ٢١٠.