الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٤٦٧ - أحداث عصره
و أجزل العطاء عليهم، و كان يجمعهم في مجلس واحد و يقترح عليهم في الأصوات ليطرب، فمن أطربه نال أسنى الجوائز و أعظم الصلات [١] و قد اختار له إسحاق الموصلي من الغناء مائة صوت، و قد عرفت بالأصوات المائة المختارة، التي وضع أبو الفرج الأصبهاني فيها كتاب الأغاني [٢].
كما كانت في بغداد نواد للغناء و اللهو، فيها القيان اللاتي يحسنّ الغناء، و يقصدهنّ الفتيان الظرفاء يتغازلون و يشربون و يلهون.
و كان الأمين شديد الطرب إلى الغناء، واسع العطاء إذا طرب، و قد وصفه إسحاق الموصلي فقال: ما كان (أي الأمين) يبالي أين قعد و مع من قعد، و لو كان بينه و بين ندمائه مائة حجاب خرقها كلها، و ألقاها عن وجهه حتى يقعد حيث قعدوا، و كان من أعطى الخلق لذهب و فضة، و أوهبهم للأموال إذا طرب أو لهى، و قد رأيته أمر لبعض أهل بيته بحمل زورق ذهبا، و أمر لي ذات ليلة بأربعين ألف دينار.
و حتى في أعسر ساعات حياته عند ما أحيط به كان يستمع إلى الغناء. فبينما كانت حجارة المنجنيق تصل بساطه كانت إحدى الجواري تغنيه [٣].
و قد كان البذخ و الإسراف و تبذير الأموال في وجوه الملذات أمر يبعث على الدهشة و الاستغراب، و بلغ الترف إلى أقصى حد. و لم يكن هذا الترف و البذخ يعم طبقات الناس، بل كان هناك ملايين من أبناء الأمة يعانون الحرمان، و يقاسون ألم الفاقة، و منهم المظلومون الذين جار عليهم جباة الأموال فسلبوهم ما يسدّون به الحاجة، و منهم من غصبهم السلطان و أعوانه أموالهم و ضياعهم، و لا يجدون من يسمع أصواتهم إذا رفعوها بالتظلم، كما ليس لهم طمع في رد ظلامتهم.
و سار العمال في إرهاق الرعية على الوجه الذي يخالف نظام الإسلام، فأصبحت الأموال تجبى بأقسى وسائل الظلم، و تصرف في ضروب من الإسراف و أنواع من الترف.
أحداث عصره:
و ظهرت في عصر أحمد العصبية العنصرية، فاشتد النزاع بين العرب و الفرس
[١] مروج الذهب ج ٣ ص ٢٧٨.
[٢] الأغاني ج ١ ص ١ و ما بعدها.
[٣] التاج ص ٤٢- ٤٣.